الثلاثاء، 30 ديسمبر 2008

من يوميات جسور – فضاءات النص السعودي

مشاهدات من الشارع المسقطي حيث سقطنا جميعا في الحب
ذهبت إلى هذا الملتقى المعنون بجسور- فضاءات النص السعودي وأنا لا أعرف من العشرين مشاركا إلا ثلاثة، التقيت بثمانية منهم في المطار لتبدأ رحلتنا معا، لم أشعر بالغربة معهم منذ اللحظة الأولى للقائنا عدا شادن التي بدت لي قبل أن أكلمها: المرأة التي ستفسد جمال هذه الرحلة، إضافة لعبد السلام الذي بدا ثقيلا نوعا ما بشماغه الحائلي، لكن سرعان ما تغيرت هذه النظرة عندما تبادلنا السلام لتنعكس في النهار الأول لنا في مسقط، إذ بدينا وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل جدا وليس منذ بضع ساعات فقط.
لم تكن ألفتنا مع بعضنا البعض تحجب نظراتنا للشارع والبيوت والسواحل المسقطية، إذ رتبنا جولة حول مدينة مسقط في نهارنا الأول، حيث لم تكن الفعاليات قد بدأت بعد، ذهبنا نحن التسعة الذين جئنا من البحرين: القاص فاضل عمران، الشاعر حسن السبع، الصحافية شادن الحايك، القاص عبد السلام الحميد، الشاعر محمد الفوز، المسرحي زكي الدبيس، المسرحي والتشكيلي والموسيقي محمد الحلال، الشاعر زكي الصدير وأنا سوسن دهنيم ضيفة الملتقى، عندما ألحننا أنا وشادن عليهم برغبتنا في أخذ جولة حول مسقط، فرافقنا رئيس جمعية الكتاب والأدباء الدكتور طالب المعمري الذي كان مرشدا سياحيا جميلا لم يمتنع عن الإجابة عن أي سؤال مما طرحنا، عدا السؤال المتعلق باهتمام الشارع العماني بالسحر والشعوذة!

شوارع تهتم بمظهرها



للشوارع رؤيا مختلفة في مسقط العربية، فهي تهتم باختيار مظهرها بما يتناسب مع محيطها الخارجي كما بعض مدنها، وإن دل هذا على شيء فهو يدل على حس القائمين عليها، فالشوارع تزدهي بنظافة قل نظيرها، وبأنظمة تكاد تنطق بسلاستها التي تجعل السائقين والمشاة يحترمونها ويطبقونها بأمان، تحتفي بجمال مظهرها وبتناغم الجبال والأشجار حولها حتى تنسى أنك تسير في شارع وتنسى ما معنى السرعة التي لا تحبذها في هذا المكان، تسير وأنت تمتع زوايا ناظريك بمظهر قلما تجده في دول خليجية تتقن ترويض الصحارى والمعمار ليحلا أكبر ضيفين قرب شوارعها، لكن الأمر هنا مختلفا فالأشجار والخضرة والبحر والجبال هم الأبطال في هذا المشهد، وإن أغفلنا صنع الله فإن صنع البشر مختلف هنا أيضا، فللشوارع أسماء اختارتها بعناية وتألق، فهذا هو شارع يدعى "شارع الثقافة" وإذ جئنا نحن – أعضاء الوفد – لنقيم فعالية ثقافية شدنا هذا الاسم الذي يندر جدا في بلداننا الخليجية، لم يكن هذا الشارع ببعيد عن شارع آخر زاد الدهشة لدينا عندما قرأناه: " شارع دوحة الأدب"، يا الله كم هي جميلة هذه الشوارع بأسماها التي عرفنا فيما بعد أنها تعدتها لتكون بأسماء فقهاء اللغة كشارع الخليل بن أحمد الفراهيدي مثلا!

منازل مهتمة بتوحيد ألوانها

للمنازل لونها المتوحد مع بعضها في بياضه الناصع الذي لا يشوبه لون آخر، وكأنها جاءت لتروي حكاية بياض القلب العماني، عدا بعض بيوت أخذت لونا قريبا من البياض عندما اصطبغت باللون " البيج " أو "السكري"، إذ تتناغم مع بعضها مكونة معزوفة لا مكان للنشاز بينها، هي بيوت تبعث الراحة البصرية لمشاهديها، وتنهل لهم اطمئنانا قلما يجدوه عندما يجوبون شوارع عربية، فهي لا تزال مهتمة بطابعها العربي القديم رغم حداثة بنائها، لا تزال تتألق بأسوارها المرتفعة وباحاتها التي تتصدر البيت، مهتمة بعروبتها التي لم تشبها لوثة "التغرب المعماري" إذ لا تزال البيوت لا تتجاوز الدورين في ارتفاعها، والعمارات لا تتجاوز الأربعة إلا فيما ندر، وإن اتجهنا لطرازها المعماري نجده عربيا حتى في العمارات المرتفعة – نسبة إلى البيوت – بخطوطها الهندسية البسيطة، ونهاياتها المزركشة بأحجار تخلق مربعات أو مثلثات اعتدنا على مشاهداتها في المدن التراثية العربية، بيوت وعمارات لم تتنازل بعد عن شرفاتها العربية التي تطل منها نوافذ أغلقتها شباك حديدية ذات نقوش عربية خلقت توازنا مع مظهرها الشامل، هذا ولم تتغيب المآذن أو القباب عن المشهد المعماري المسقطي، فهي لا تزال تحاول منافسة الجبال في علوها، لتجدها شامخة يسهل عليها أن تشرئب وسط مشهد أفسح لها المجال بالشموخ، تجد القباب في بعض المباني غير المساجد والمآتم كالنادي الثقافي مثلا والذي قضينا فيه أجمل الأوقات.

قلاع وحصون لا تلين


للقلاع وأبراج المراقبة مكان لا يستهان به في عمان، فهي دليل على ما كانت تتعرض له هذه الإمبراطورية الممتدة من هجمات وغزو من قبل الطامعين على مر العصور القديمة، ولأننا في مسقط لا بد أن نذكر حصن مطرح العتيد الشامخ فوق التل المطل على الساحل الذي كان يوما ميناء يصل مطرح بغيرها من المدن والدول، حصن بني بإتقان محكم، ورمم في العام 1981 ليكون معلما سياحيا مهما لهذا المدينة الطاعنة في القدم، الطاعنة في الجمال.
لبرجيه الاسطوانيين الجانبيين مظهر يضفي عليه جمالا وهيبة وللنقوش التي حفرت على أسواره نكهة تدخلك عالما من الحروب التي ينتصر فيها الحق على الباطل وترجع الحق لذويه، على التل المقابل لهذا الحصن بنيت أبراج أخرى فصلها قصر العلم الذي يعود لأكثر من 200 عاما – بحسب كلام مرشدنا السياحي - لتجد نفسك وأنت في باحة هذا القصر محاطا بقلاع وحصون وأبراج مراقبة تعود إلى عصور بائدة تدخلك دهليز الزمن الغابر فترى أمامك الرجال وهم يحملون دروعهم وسيوفهم ونبالهم ونبلهم، تأخذك الحماسة لولا صوت فاضل الذي يرجعك إلى زمانك عنوة وهو يقول: " جبن" – وليس تشييز - من أجل أن نضحك ويلتقط صورة متحركة!
لم يكن هذين البنائين هما الوحيدين في مسقط، فبين كل عدد من الكيلومترات تجد برجا يطل من أعلى جبل شاهقا بتاريخه، معتدا ببطولاته في كشف الأعداء والذود عن سكان مدينته،هذا إضافة للكهوف الجبلية التي لم تختبئ عنا عندما فتشنا عنها، حقا هي مدينة تحتضن القلاع والأبراج والحصون بامتياز!

سواحل اشتعلت بالحب


السواحل في مسقط لا تتوانى في أسر أفئدة من يمر عليها، مررنا على العديد منها كشاطئ القرم، البستان ، الجصة ، وشاطئ قنب، وعندما مررنا على شارع الشاطئ أو كما يسميه العمانيون "شاطئ الحب"، بدا متناسقا مع اسمه جدا وتصالحا معه، ففي نهايته تجد ملمحا يبعث الأمل والفرح في النفس، إذ لا ترى غير زوج في كل بقعة، تجد رجلا وامرأة يقتسمان حصيرا وضعاه ربما لكي يأخذهما لبدايات علاقتهما ببعضهما، ففي هذا الجزء من الشاطئ يجلس كل زوج من كبار السن معا، فقد رأينا خمسة أزواج كل يجلس في مكان بعيد عن الآخر ربما كي لا يتلصص عليه أحد، لكنك تشاهد في بداية الساحل العديد من العائلات أو الأصحاب الذي جاءوا للاستمتاع بجماله وجمال نسائمه، مما أغرى بعض الصحبة في الحافلة بالنزول، دون أن يسمعهم أحد!
كان هذا الشاطئ رغم ما اعتراه من خراب إعصار غونو جميلا جدا غرر بأقدامنا كي تنزل على رماله الناعمة كما بدت لنا، لكننا لم نفعل.
وففي طريقنا إلى مطرح وجدنا السواحل ممتدة توصلنا إلى حيث نريد يقابلها "سور اللواتية" القديم بمبانيه الجميلة وبيوته التراثية.
إضافة لساحل الجصة الذي لم نكتف لا أنا ولا فاضل عمران بمشاهدته عن بعد فنزلنا لتتسخ أحذيتنا وبناطيلنا بأغبرته التي كانت كبودرة الأطفال كما قال فاضل، فأخذنا العديد من الصور التي التقطها الجمع بشكل عشوائي مباغت.

الشريش نبتة ضد المس

في طريقنا إلى الفندق وقف سائق الحافلة فجأة في المنحدر ومد يديه للخارج مشيرا إلى نبتة صغيرة جميلة، أوراقها تشبه الغار، قائلا: هذه هي "الشريش"، النبتة التي يزرعها العمانيون في مقدمات بيوتهم خوفا من الجان والحسد والمس!
ذهلنا جميعا خصوصا بعد أن تجاهل مرشدنا السياحي سؤالي حول الشعوذة والسحر في عمان وبدأنا نسأله أكثر حول هذه النبتة لينزل فاضل ويقطف أغصانا منها ويهديها لشادن التي طلبتها كي تنام!
وزعت على الجميع أغصانا منها وأوصتهم أن يلتفتوا لها جيدا فما كان من عيد السلام والمسرحيين زكي ومحمد إلا أن وضعوها على رؤوسهم كي تخيف "من لا يخاف" فأخذ فاضل – كعادته – صورة لهم أصريت على نشرها في صحيفة الوطن.

الرجل العماني أكثر اهتماما بزينته من أنثاه


شدني مظهر الرجل العماني المهتم جدا بزينته من خلال " المصر " وهي العمامة التي يلبسها العمانيون والتي عادة ما تكون مزخرفة بنقوش جميلة تتحكم في سعره وفخامته، يرتب ألوانه بشكل متقن كأنه صنع لأنثى في جماله، أو من خلال "القحفية" التي نسجت زخارفها بخيوط تختلف من واحدة لأخرى فمن الخيوط الذهبية إلى الخيوط الملونة العادية التي تغزل على قماشه في تناغم جميل يتناسب مع لون الخيوط التي تزين جيب الثوب العماني، إضافة للأحزمة المزركشة التي تلف خصورهم محتضنة خناجر تتميز عن بعضها بألوانها ونقوشها وخام معدنها.
هذا الاهتمام بالزينة جعلني أقارن بين ما هو باد من الرجل العماني والمرأة العمانية التي ترتدي في الغالب – في مدينة مسقط- العباءة السوداء، لأجد الآخرين يوافقنني الرأي عندما أفشيته لإحدى القاصات العمانيات.
كان يوما جميلا أعطانا أملا في أن هذا المهرجان سينجح بامتياز!


يوميات حافلة بالأنشطة والفرح

يوم السبت الموافق للرابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) من عام 2007 كان يوم وصول جزء من أعضاء الوفد السعودي ممن لم يحضروا معنا نحن التسعة في يوم الجمعة، فقد سقط في مسقط قلب كل من الشاعر حسين الجفال، والمسرحي عبدالله الجفال، والفنان التشكيلي زمان جاسم، والروائي يوسف المحيميد، والقاص جبير المليحان، والمصور الفوتوغرافي قاسم حكيم، إضافة إلى الشاعرة أشجان هندي التي جاءت من جدة مساء الجمعة حاملة معها كل حنان العالم رغم رغبتها في إخفائه.
كانت هذه المجموعة جميلة أيضاً، رغم انطباعاتي المبدئية الخاطئة عن بعض شخوصها: زمان ذكرني بالطاووس عندما رأيته للمرة الأولى إذ كان متعالياً عن الجمع من حوله؛ فعندما نزل في باحة الفندق حيث كنا نجلس جلس في زاوية أحد المقاعد دون أن ينطق بكلمة عدا بعض الكلمات التي تفوه بها لزميله العماني الذي لم أعرف من يكون، ودون أن يلقي التحية أو يتعرف على أحد، إلى أن فهمت بعدئذ تصرفه فقد كان كبقية المبدعين الحذرين عندما يريدون التعرف على "الجو" من حولهم. أما رؤيتي الأولى للمحيميد ذاك الروائي الذي كنت أتابعه بكل شغف فكانت مختلفة رغم ما كنت أعرفه عنه وعن طباعه الجميلة من خلال بعض الأصدقاء واللقاءات الإعلامية، ورغم هذا لم أتردد في الحذر - بداية - من جديته وصرامة مظهره التي تختفي عندما يبتسم متحولة لتلقائية وعفوية طفولية جميلة حتى أنني أردت أن أشاكسه في ندوته برسالة تحتوي: (ابتسم تبتسم لك الدنيا) لولا أنني خجلت!.
بعد الإفطار، ذهبت مجموعة منا إلى النادي الثقافي -حيث سيكون الافتتاح مساء- من أجل ترتيب بعض الأمور والتأكد من وضع الميكرفونات والمنصات، وشد لوحات زمان وعرضها في أماكنها المناسبة، وتغيير الجدول بسبب تغير موعد عيد الأضحى وتأخر البعض، وهناك بدأت أكتشف ذاك (الطاووس) الذي لملم ريشه وسألني عن مكان البعض، والشاعر زكي الصدير الذي علمني لعب البليارد التي ما كانت كذلك..!!.
من النادي ذهبنا إلى لقاء الشاعر سيف الرحبي بعد أن ألححت على الجفال برغبتي في إجراء حوار معه، وكم كان رائعاً هذا السيف الذي قطع كل أواصره وأواصر الشعراء من بعده مع التكبر أو التعالي على من حوله، استقبلنا بصدر رحب وتقبل دعوة الجفال له بحضور افتتاح الملتقى مساء، ولم أنس أنه أسماني قاتلة الشعراء بسبب لقائي الأخير مع الشاعر سركون بولص، ممازحاً ومعتذراً عن إجراء الحوار في البداية معللاً ذلك بكونه يريد أن يعيش!!.


مهرجان جاء ليكون جسراً للتواصل

لم يكن ملتقى جسور- فضاءات النص السعودي سوى عيد كما قال رئيس ملتقى الوعد الثقافي القاص والشاعر حسين الجفال – ذاك الذي كان متعباً حتى القلق من طلبات جميع الوفد - في حديثه لـ"الوطن": كل حالة أو حدث بين المثقف وأقرانه يعد عيداً لا يشابهه عيد، ما حدث في مسقط جعلنا نعيش العيد باكراً، من خلال الأصدقاء وعيونهم التي لا أخطئها، فقد كانت الأيام ناجحة بكل المقاييس التي أقيمها أنا بطريقتي الخاصة، ورغم ضغط واختصار أجندة الفعاليات إلا أن المنظمين (جمعية الكتاب العمانية) نجحوا في تفادي ما كان يعتريهم من خوف بالنسبة لتواجد الجمهور ونحن على أبواب العيد، الحضور النخبوي والمتلقي البسيط كانا حاضرين على الدوام، كما أن عودة بعض المثقفين العمانيين بالظهور في هذه الفعالية تحديداً أكد أن هنالك نص وفضاء مختلف".
أما عن أهداف هذا المهرجان فقال الجفال إنها حُددت مسبقاً مع جمعية الكتاب العمانيين، أولها خلق حالة حوار وتلاقح بين المثقف السعودي ونظيره العماني بأريحية وروح شفافة بعيداً عن الرسمياتن وهذا ما شهد به الجميع وحصل فعلاً في أروقة المقهى اليومي في ردهة الفندق التي كانت تعج بالحوارات الجادة على مدار الساعة تقريباً، كما حصل تبادل للمنجز الإبداعي بين الطرفين من تهادي للكتب والمطبوعات.
لقد كان الحلم الأكبر بالنسبة للقائمين على ملتقى الوعد الثقافي هو التطلع لأن يخلقوا بين المثقفين فضاءً ثقافياً منفتحاً على كل الأجناس يسكنه البياض والروح الخلاقة، وهم يعرفون تماماً أنه عالم مثالي قد لايرومونه لكن حسبهم أنه حلم وهذا ما يجعله جميلاً بالنسبة لهم، يتطلعون إلى أن يصافحوا المثقفين والأصدقاء كلٌ في بلده وأن يأخذون معهم رفقة الكون أصدقاء النص الجميل والخلاق ليقولوا: ها نحن اقرؤونا ودعونا نقرأكم بشفافية.


افتتاح تلفه الآمال، تحتضنه القلوب
مساء السبت الموافق للرابع عشر من ديسمبر كان افتتاح هذا الجسر، بحضور رئيس الملحقية الثقافية السعودية بمسقط، وعدد كبير من الحضور العماني ممن جاء ماداً يديه جسراً آخر للتبادل الثقافي والإبداعي، مهرجان بدأ بافتتاح معرض الفنان التشكيلي زمان جاسم الذي شرع ألوانه لتكون رسوله للقلوب التي رأتها قبل أعين أصحابها، معرض ضم تجربتين من تجاربه، الأولى كان للشخوص المموهة مكانها الأثير والثانية استوحى فكرتها من هناك.. من الأماكن المقدسة حيث كان قبل عام من تنفيذها من الحج، ضمت الألوان التي رآها في تلك التظاهرة الدينية: الأبيض، البني، والأسود، في تمازج
وخطوط رائعة سلبت أنظار الكثير من الحضور وانتباههم.

شاعرة بلون المطر

بعدها بدأت الأمسية الشعرية التي سبقتها كلمة الجمعية العمانية للأدباء والكتاب ثم تلتها كلمة ملتقى الوعد الثقافي، لتبدأ القراءات الشعرية مع الصوت النسائي أشجان هندي التي احتضنت الأحرف ونثرتها على الحضور في قراءة متأنية وشت بأحلامها وشجونها، قرأت (بحلم رائحة المطر)، فكانت أحرفها (مطراً بنكهة الليمون)، أخذنا منها هذا المقطع:
"السماء تنصب غيماتها لاختلافاتهن
والأرض كف من الخصب / مدت إلى جدبهن
لكنهن يقمن عطاشى على تاء تأنيثهن
يبكين ماء السماء
والماء تحت أقدامهن / يلملم حباته ويتمتم:
قل للبريئات من دم يوسف:
لوني أحمر
والذئب مبيضة عينيه
يقلب كفيه من مكرهن".

شاعر يتعثر بقلبه

ليأخذ الشاعر حسن السبع مكانه من القراءة، هذا الشاعر الذي دائماً ما يسبقه صمته إلى المكان الذي يحل به، لتعرف أنه يخبئ خلفه كائناً لا يقوى لا على الحب حتى يتعثر بقلبه خالقا قصيدة جديدة لجمال قلبه فيها المكان الأكبر.
كان لنصوصه (زيتها وسهر القناديل)، تحلق في (حديقة الزمن الآتي)، لتكون (بوصلة للحب والدهشة) تسمع بين الفينة والأخرى ما يشبه (ركلات ترجيحية) تصيب هدفها/ دهشتنا بكل سلاسة، هذا مقطع مما قال:
"هذه الشرفة تغدو بعد حين
ومضة آفلة العينين .. أمسا
لن ترى بعد غياب الشمس
شمساً
أو غيوماً واعدة
نحن تلك الشرفة الحبلى
بفيض الوقت
والوقت – إذا غبنا – بقايا مائدة..!".

شاعر ينسيك زمانك


لم يكن الشاعر زكي الصدير سوى ذاك الشاب الذي جاء حاملاً معه جنياته الشعرية القادرة بامتياز أن "تلخبط" الجو وتنسيك زمانك، شاعر يحسن اللهو بالكلمات كما عقارب الوقت، يدخلك أرض حبلى بالاخضرار الذي يغذيه من نبضه آخذاً منه ألقه الشبابي ليتقمص دور طاعن في الألم محبكاً قصة مجموعة جديدة تكون ملحمة شعرية مختلفة، هنا جزء من سنده:
"دندنَ العودُ
فأرقصتُ نهاداً
كلّما
اهتزَّ اسـترابا
وحدَهُ أنتَ
وتنسيني تفاصيلُ الحكاياتِ ذنوبي
أضعُ الفانوسَ في الشارعِ
أرتاحُ مسافاتٍ من الضوءِ وألهو
علّها تحيي خرافاتي جنوبي
أضعُ الفانوسَ في الشارعِ
أنسى سننَ الكونِ وأغفو ركعتين".

يفوز دوماً باسمه رغم خساراته


لم يكن الشاعر محمد الفوز سوى شاعر جاء بقوافيه معلناً إعادة ليالي القرامطة، متحدياً بكاء النبيذ معتلياً منصة المحظور، كاسراً حواجز التابو، بصوته المسكر بالتحدي، وإلقائه المسكون بهاجس الخطابة، أشعل القاعة هنيهات لم تتسع لغير صوته، أخذنا منه تساؤلاته الغجرية هذا المقطع:
ما الحبُّ يا وجعَ البراءةِ في قيامةِ همسنا الغجري
آنَ له التعللُ بالغيابِ وبالسفرْ ؟!
ما "نحنُ" إلا "نحنُ" .........
أرَّقَنَا التلاشي يومَ كُنَّا حيلةَ الشمسِِ
بلا ظلِّ تُواري دمعها الأزليَّ في خدِّ المطرْ
هَرَبَ الشمالُ من اليمين
وعافنَا الأشباهُ
يا بختَ الجهاتِ البربريةِ
كلها صمتٌ ......
يُفلسِفُ ثرثراتِ الريحِ في كُلِّ ممرْ !!

وبهذا انتهت الأمسية الأولى التي أشاعت أصواتها في كل الممرات التي سكنتها مطبوعات جاء بها القائمون على ملتقى الوعد الثقافي: الجفال، الفوز وعمران، ليعرفوا المتلقي العماني بالكاتب السعودي.


الحلال، أمّ تجمع أطفالها من أجل الحكاية
لم تكن الليلة انتهت عند هذه الأمسية، إذ أننا – في ردهات الفندق- ذهبنا إلى الاستماع إلى أوتار عود الفنان محمد الحلال الذي أسكرنا حتى الثمالة بأغاني أم كلثوم، خالد الشيخ وعبدالحليم، ليلتحق بنا القادم في تلك الليلة يوسف المحيميد الذي بدا مجهداً من رحلته الطويلة.
كان الحلال بمثابة الأم التي تجمع أطفالها كل مساء لتحكي عليهم حكايات ما قبل النوم ولكنه لم يكن يريدنا أن ننام، بل كان يريدنا أن نطرب ونغني فرحاً بنجاح الليالي التي جئنا من أجل إقامتها، كان بمثابة أمّ صارمة لا تسمح لاثنين أن يتكلما أثناء أدائها مهمتها الجميلة، لكنني وعبدالسلام ثم وزكي كنا مشاغبين، فقرر أن يغير أماكننا!.


( هناك فعاليات عديدة لم أكتب عنها في هذا الملتقى، منها مسرحية الحلال والدبيس وعبد الله الجفال، أمسيتي الشعرية ، الامسية القصصية وغيرها)

كائنات جمال عبد الرحيم الحجرية




إرباك يهبك مزيدا من الحرية


لم تكن الوسادة الوثيرة، التي يتوسدها مقص مزين بالشرائط متواجدة مساء الأحد الموافق 21 ديسمبر 2008، في جمعية البحرين للفنون التشكيلية، ولم يُقص شريط أحمر أمام الباب إيذانا بافتتاح معرض تشكيلي تحت رعاية أحد المسئولين في وزارة الإعلام - على الأرجح - ؛ إذ استبدلت الوسادة بباقة ورد وقبلة قدمها الروائي فريد رمضان للفنان البحريني جمال عبد الرحيم عند افتتاح معرض الأخير: طباعة وحجر، تحت رعاية الأول في سابقة تعد الأولى من نوعها في المملكة رغبةً من الفنان في إبراز مكانة المثقف وأحقيته برعاية هكذا فعاليات حسب تصريحات عبد الرحيم للصحافة عندما سئل عن الغاية من هذه الخطوة، وهذا لا يدل على عدم جدوى أو أحقية رعاية أحد المسئولين في إحدى الوزارات أو أحد الوجهاء معرضا أو فعالية ثقافية.
قدم عبد الرحيم في هذا المعرض مجموعة جديدة من أعماله التي لم تعرض من قبل في البحرين، أعمالٌ في الطباعة والحجر امتازت بجمالها وانسياب ألوانها وأطرافها.

** طباعة بين الأسود والأحمر

أعمال عبد الرحيم في الطباعة تشي بالأنامل التي حاكتها، فمنذ الألوان التي عُرِفَتْ بها تجاربه في الطباعة، وحتى أدواته وحبكات خطوطه ونقاطه التي تميز بها، تنبئ عن خالقها فور النظر إليها؛ إذ صارت لمساته واضحة المعالم لكل من يتابع تجربته.
النقطة عند عبد الرحيم مركز وعمق، يضعها في زوايا أعماله تارة فتتجلى مركزا، وينثرها في لب أعماله تارة أخرى فترتسم عمقا.
أحمره القاني دم يفض بكارة اللوحة، وأسوده المحبب سيد يستهجن دونه من الألوان ليسطر على المساحة المأخوذة به، فيحيل كائناته البشرية كائنات مموهة الملامح، لا زوايا لها ولا أطراف، ضربات الريشة لديه تتناثر لتخرج من إطارها مكونة شرنقات عصية على التكرار، صعبة الرصد.


** الحجر لعبة مُرَوَّضَة..

للحجر مكانه الأثير لدى عبد الرحيم، فهو الصعب الذي لا يستهان به، وهو الطفل الذي تحتار في التعامل معه بين الرقة والقسوة، يجب أن تداعب أطرافه عندما تشرع في ترتيبها بينما الازميل ينحت الشكل كي يربي ملامحه.
كائناته الحجرية أخضعت الأعين التي لاحقتها، فقد كانت مفاجأة المعرض التي قدمها عبد الرحيم بكل تألق، طيوره التسعة المتشابهة الألوان المختلفة في التحركات، متوجسة من قادم ربما يأخذها، تحلقت فحلقت بالمخيلة.
مريم العذراء تربكك عندما طلت من بياضها الخاطف، وهي لا زالت تلملم تقاسيم جسدها، وتحفر ثوبها الحجري، أعاد تصويرها فعرفت قبل أن يصرح كتيب المعرض باسمها.
كانت أحجار الفنان جمال عبد الرحيم كائنات تهرب لك روحا جديدة بين أحجارها، رغم خلوها من روح جديرة بزجها في الحياة.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2008

أبوبها سدنة الرائحة


هل كانت تعي هذه الأبواب أنها ستكون مصدرا للوقوف على جرح؟
تلتحم رؤاها قرب مرابعنا وتموت قطرات الصدأ فوق مزلاجاتها..
أبواب بنت على عروشها مواعيد وأحلام، وتناسلت من أقفالها حكايات الصبايا الباحثات عن المحبة..
هنا الأبواب تحيلك للنص،
تستنفذ ما بك من أغنيات وتشرع في تقصي نبض مرتجف عند الرعشة الأولى للكتابة
تؤثث رؤاك بأبجدية ما كنت تعيها قبل استعار الصدأ..
رسم الهواء مواعيد على حديدها فانتثر خشبها محاطا بالأخضر المدان.
لدق المسامير في أحشائها انتفاضة القلق، وكلما ازدادت ازداد تلونها بالقسوة.

*****
تلصص..هم هناك ينتظرون قفلك ومفتاحهم الذي لن يجئ.
تلصص ..
فأوان المباغتة يجرك نحو غروب لا يتملق شمسه.
تنحني كلما ازداد خفقان الضوء وتترهب كلما استعار الشفق مزاجك نحو الماء.
تلصص..
أنت في مواربة النهار واشتعال الليل ضيفا أو زيفا،
وكلما انتحبت الأعمدة على الأبواب غنّ لها: " ولهان يا محرق ".

****
موصدة وتلك الأقفال تنتحب وكل الرؤى تحال زخرفا،
تنسى أن للمفاتيح سطوة على أسرارها فترزح في حلقاتها دون هروب..
أقفال ومفاتيح وأنت في المهب
تستغرقك الغفلة والصحوة توحي لك بالمغامرة ..
هل أنت الذي كنت هنا ذات شرق؟
تغني الجنون وتسفر أحلامك نحو وطن مثخن بالحب،،
الروح فيه أولى الكلمات ألقا، والقلب فيه آخر الأعضاء تعبا ..
هاأنت غرَّبت الخطى ونادمت الروح ألما..
عندما كانت الأبواب بيننا شاهدا على جميل الوصل،
اعشوشبت الأرواح وغازل نداك كفين ينشدان رائحتك،
أنت الذي أسست الغواية ورحلت..

***
كانت الأبواب طريق القلب نحو البداية..
فيما هي الآن تحيلنا للمرور بالنهاية..

السبت، 29 نوفمبر 2008

تشريح المستقبل



حدتني نفسي ذات ضيق عن أصل كلمة المستقبل، ذلك المجهول الخفي الذي برع المحللون النفسيون في وضع الطرق المثلى للحفاظ على نقائه في أعين البشرية، وكيفية النهوض به وكأنه "كائن " نائم يجب أن يصحو ذات فزع ليجد الأمن مستتبا والنور لا يزال محيطا به كي لا يتأثر وتتأثر حياة صاحبه.
قالت لي ذات قلق: إن المستقبل كان فيما مضى يدعى (مُسْخ تَقَبَّل) ( بتشديد باء تقبل) باعتباره مسخا عن الصورة الموجودة للحظة الآنية مهما كانت هذه الصورة أجمل، ومع مرور الوقت ولكون خاء المسخ الثقيلة في النطق من الحروف الحلقية، فقد سقطت سهوا متعمدا عند قبيلة من القبائل التي كانت لا تؤمن بـ (الحلق) كون إسدال اللحى من المستحبات أو الواجبات الدينية، ولكي لا يبقى مكانها فارغا، قرر العرب أن يوصلوا المسخ بالتقبل بعد أن صار (مسا) لا يجوز التقرب منه، ومنذ تلك اللحظة لم يعد أحد يرى أو يسمع ذاك المسخ في هذه الكلمة كي لا يخاف "مستقبله".
مَسّ ؟! نعم أتذكر أني سمعت نفسي تقول عن أصل كلمة ( المستقبل) اللغز، أنها كانت (مُسَّتْ قَبْل)، فجميع من سيفكر بهذا المجهول سيصاب بـ (مَسٍّ) من جنون أو يذهب لمن يدعي أن به (مَسًّا) من جان يستبصره فيرشده لأبسط وأسهل الطرق التي تجعل من هذا المستقبل زاهرا ويحكي له ما لا يحكى أو يصدق فيمسه قلق آخر حول صحة ما قاله هذا (الممسوس)، وهذا ما حصل لتلك المرأة التي فكرت فمُسَّتْ من أكثر من جهة.
لكن نفسي رأت فيما يرى النائم: أن أصل الكلمة هو: مِس(أي آنسة بالانجليزية) تُقَبَّل (بتشديد الباء) هذا لأن جميع الآنسات قبلن أو سيقبلن ذات يوم أو هم مشروع تقبيل في مخيلة أحدهم، ولأن اللغة العربية لا تقبل الدخلاء في لغتها، حتى ولو كانت تلك الدخيلة ابنة شرعية لـ (مخترع) ما، كان لا بد وأن تترجم، فصار صعب على القائل أن يقول: آنسة تقبّل، إذ سيقوم عليه (القائمون) ويفهمون مقصده خطأ، ويتهمونه بالقول الفاضح في الأماكن العامة، لذا صارت فيما بعد (مستقبل) للتظليل.
ذهبت النفس إلى ما هو أبعد وأعقد، لكنه أكثر إقناعا، إذ أن هذه الكلمة كانت كلمة فرعونية أصلها " مش قبل" نطقها في بلاد الشام أحد الممسوسين بلثغة في النطق، فظنها السامع (مس قبل ) ومع مرور الوقت وبتتالي الأفواه وتواتر الحكايات صارت الكلمة تنطق مستقبل.
هي تأويلات استقبلتها من نفسي فتقبلوا من أنفسكم كل التأويلات الأخرى التي قد تكون أهدأ بالا وأنقى حالا، وإلى اللقاء في الـ م.. س.. ت.. ق.. ب.. ل.

الأربعاء، 19 نوفمبر 2008

كيف ألد وأنا في الثانوية ؟


كانت أيام الحمل الأولى هي الأشد إيلاما وقلقا،، كيف أخبر أسرتي بموعد الولادة وأنا ما زلت في الثانوية العامة؟
هل سيحتفون بمولودي البكر بالشكل المطلوب، وهم الذين كانوا يمنعون عني حبيبي دائما خشية التقصير في الدراسة، ما اضطرني لأن ألتقيه سرا كلما سنحت لي الفرصة؟
الهي أعني على إخبارهم بما في أحشائي فقد أعلنت الساعة انتحار الوقت، ولم يبق منه إلا القليل..
ترى كيف ستستقبله أمي، تلك المرأة التي لم ترني إلا طفلة لا يجب أن تُخدَش براءتها بغزل عابر أو حتى صادق؟
وأختي الكبرى التي كنت أسرق من مكتبتها بعض الكتب لأتعلم كيف يحبل المرء بجنين يحبه وكيف يكون المخاض متعسرا في هذه السن المبكرة؟
ستكتشف سرقاتي الصغيرة كلما اكتشَفْتْ شبها في ملامح مولودي، بمولود من مواليد تلك المدارس.
يا الله.. ما الذي ارتكبته؟ ولم جعلتني أسمع كلام الأخريات، لأعلن تمردي فيندس جنين في أحشائي يغريني بكل هذه المواجع والمشاعر؟
كانت مصاريف الحمل ملقاة على كاهل أختي الكبرى دون أن تعلم، إذ كنت أستعير منها كل ما أحتاج دون أن تنتبه إلى كوني حبلى..
ولكن كيف سأتحمل مصاريف تربيته، واحتضانه وكل ما يحتاج إليه ؟
وأين سأخبئه إن لم أبح بسري لهم ؟
لا بد وأن أواجه الأمر فأنا لم أرتكب خطأ، والحمل مشروع ما دمت قد تزوجت هذا الكائن الذي ما ضرني يوما ولا أخّر دراستي، بل جعلني أتقدم وأحرز جوائز كثيرة في مختلف المجالات التي ما كنت لأدخلها لولا قربه مني.
قررت أن أخبر أختي قبل أي شخص آخر، فكانت اللحظة الحاسمة وكانت المفاجأة غير المتوقعة:
- أنا سأتحمل مصاريف ولادته وتربيته ولا أنتظر منك شيئا، هنيئا لك مولودك الأول !!
- وأمي؟ كيف ستتقبل الأمر بالسهولة التي قبلت بها أنت ؟
- لا بأس لكل شيء عقبات، هو ابنك وبالتأكيد ستفرح به حتى ولو لاحقا..
لكن أمي لم تفرح به بالشكل المطلوب، فتلبسني إحباط غير مرتب، رغم تهنئة الجميع وفرحهم لأجلي..
لم تفرح ببكري لكنها كانت أولى المهنئات بأخيه عندما وجَدَتْه يكبر وأنا أنضج معه في عالم الشعر..
كان مولودي الأول " غائب ولكن " ديواني الشعري الأول الذي أنجبته بفرح وقلق ومحبة..

الأحد، 9 نوفمبر 2008

لما قررنا فتح الموضوع





( نشرت الوطن ملفا من ست صفحات يوم السبت الموافق 08-11-2008 بعنوان غصن مشموم حول "الموت" أشرفت عليه فكانت هذه افتتاحيته)

لا أعلم كيف تحمست لهذه الفكرة ولماذا طلبت من رئيس التحرير الإشراف على هذا الملف إن أرادت هيئة التحرير المضي فيه.
كنت يومها أرتدي الأحمر، وأطوف بالزملاء في مكاتبهم لأسألهم واحدا واحدا: هل تريد المشاركة في ملـــف المــــوت؟
كان كل واحد منهم يجفل قائلا: "أعوذ بالله" أو "الشر بره وبعيد" أو "ليش متى صرتِ وكيلة أعمال عزرائيل؟ "
ربما كان الأحمر كفيلا لأن يبعد عني الاكتئاب يومها، ولكن ما إن دخلت مساحة الجد، حتى عشت ثلاثة أيام متواصلة من الاكتئاب والخوف والقلق.
وما إن استلمت المواد حتى باغتتني كثير من التعليقات المرة، المخيفة، التي لا تتناسب وشخصيتي:
- يرسل إلي أحد الزملاء مادته في رسالة مذيلة بـ : إلى مسئولة الموت! وآخر يرسلها مذيلة بـ إلى عزرائيل الوطن لمدة أسبوع!، فيما أثلجت صدري رسالة أحدهم : إلى سوسنة لأتاكد أنني ما زلت سوسنا.
- كلما تحدثت مع الشرقاوي في مكتبه بشأن ما وصلني من مواد أجد إحدى الزميلات تغادر المكتب خوفا من هذه السيرة أو خشية أن يخرج ذاك الجني الصغير الذي طالما ترقبته..
- " لا بد أن أشارك في ملف الموت قبل أن يدرك الموت وقتي " تقول لي إحدى الزميلات، بعد أن علمت بالموضوع في الوقت الميت.
- قرأت صباح الموسيقى التي أرسلها إلي أحد الأصدقاء: صباح الموت قبل أن أكمل الكلمة لأنها بدأت بميم وواو !
- أذهب إلى " السكنر" وأنا خجلة من ردة فعله من ذاك الملف الملغم بصور قد تخرجه من مبنى الصحيفة ناقما علي وأنا أطلب منه تعديل الصور ووضعها في ملف مستقل شرط ألا يكون بعنوان الموت، حسب وصية سلمان طربوش الذي كانت عليه مهمة التنفيذ.
عشت مع كثير من الموتى في أرشيف " الوطن "، أسر إليهم ما أكتشف من أسرار ويسرون إلي ببعض تجاربهم.
ما جعلني أطمئن قليلا بعد رؤيتي الأولى لقبر مفتوح في إحدى الصور، هو " سخان الماء " الموجود في المغتسل في صورة وقفت عندها طويلا، لن أشعر بالبرد إذ سيغسلونني بماء دافئ لو مت في الشتاء!
كنت أبحث عن اسم يبعث على التفاؤل فكان غيث طربوش أجمل الجرائر..
نعم ما رأيكِ بغصن مشموم، بعد أن قلتُ بين السطور غصة مشموم، فتمسكت بتلك الرائحة وانطلقنا في هذه التسمية..
ما لم أكتبه هو ما حدث أثناء التنفيذ إذ كتبت هذه الأحداث قبل التنفيذ وفي قلبي قلق مما سيكون هناك في الأسفل بعد قليل / وعذرا لمن فهم خطأ: أقصد بالأسفل غرفة الإخراج لا القبر!

وأخيرا ها هو مهرجان الموسيقى


بعد انتظار زاد عن الشهر، هطل غيث مهرجان البحرين الدولي للموسيقى السابع عشر، ليفتتح بصوت أنيق يحتضن العالم في حنجرته، وفنه الأصيل الراقي الذي ناغى ألحان فرقة البحرين للموسيقى، صوت نجميّ لا يصل إلا من أعلى الأبراج الفنية، لنكون الرابح الأكبر بهذا الصوت الذي اختير في الوقت الضائع حسبما علمت، افتتاح جميل نفذ وسط حضور قوي وجمهور واسع فرح بجمالية الألحان برغم الإفصاح "الهادئ" عن برنامجه في وسائل الإعلام والإعلان، وسقوط المؤتمر الصحافي من "الرزنامة" الذي تم تأجيله في الوقت الضائع مسبقا، بسبب كون توقيته يتضارب ومحاضرة يقيمها قطاع الثقافة والتراث في ذات المكان والوقت، لتتساءل من الذي أعلن ومن الذي ألغى وكيف ؟!
كان من المفترض أن يقام هذا المهرجان في يوم الموسيقى العالمي في مطلع أكتوبر من كل عام، وتم تأجيله هذا العام ( كالعامين السابقين ) دون ذكر أسباب ذلك التأجيل وكأنه مجرد مهرجان شأنه شأن أي برنامج ثقافي يقام بشكل عابر، لا علاقة له بهذه المناسبة التي زينها طوال دوراته الأربعة عشر.
مهرجان أوحد ينتظره المهتمون بالموسيقى كل عام، ليستمعوا إلى الموسيقى المحضة، من قامات لا يتكرر وجودها في البحرين، ما لم يتلقفها مهرجان ربيع الثقافة الذي بدا مهتما بالموسيقى بالشكل الأكبر، يأتي لتجد ضخامته تتقلص كل عام عن سابقيه، وكأن القطاع لا يضم مسئولين موسيقيين بين جدرانه، من شأنهم أن يختاروا أسماء لا تسقط إلا واقفة في برنامجه، تتقلص ضخامته بتقلص أهمية الأسماء المشاركة، وتقلص براعة التنظيم والإعلان، وزيادة تشعبه ليشمل التراث والأغنية والموسيقى و.. و.. و، علما بأن لكل من هذه الأصناف الفنية مهرجان خاص، يمكن إعادة بلورته وصقله ليحال مهرجانا أضخم مما هو عليه، يستوعب هذه الأنواع من الفن بشكل أكثر تخصصا.
خلال منتصف عمره كان المهرجان قويا صادما، ضم كثيرا من الأسماء المهمة في الساحة الموسيقية العربية والعالمية؛ كالموسيقي نصير شمة، مارسيل خليفة، حسين الأعظمي، وغيرهم من الأنامل الفذة، ناهيك عن الفرق الموسيقية المهمة كأوركسترا الاتحاد الأوربي لموسيقى الحجرة، ذاك لأن تنظيمه أوكل لأهل الاختصاص، بدءا باختيار الأسماء نهاية بالمؤتمر الصحافي المسئول عن التعريف به وإعلان برنامجه للجمهور، ولكنه بدأ بالانحدار في المستوى خلال الدورات القليلة السابقة فلم تعد هناك الأسماء اللامعة أو الفرق الموسيقية المغرية إلا القليل غير الكافي.
ما يحسب لصالح مهرجان هذا العام هو المشاركة البحرينية الواسعة فيه وتكريم ثلاثة من رواد الموسيقى، إضافة لما عمل به في المهرجانات السابقة من ورش العمل المخصصة للأطفال والموسيقيين والبرنامج الصباحي الخاص بالأطفال.
أما آن الأوان لكي يهتم قطاع الثقافة بهذا المهرجان واسع الجمهور بشكل أكبر خصوصا وأنه وجهة يؤمها المهتمون من دول الخليج المجاورة.

الاثنين، 27 أكتوبر 2008

اليوم صار للروح معنى آخر..

( توفيت والدة الأستاذ محمد البنكي مساء يوم أمس الاحد الموافق 26 أكتوبر الجاري)

رائحة الموت تفوح من جنبات مبنى " صحيفة الوطن" الذي بدا خاليا، إلا من روح ترفرف اعتدنا تسميتها فيما بيننا: روح الوطن، وبعض الصحفيين المتناثرين في صمت هنا وهناك.
اليوم كان لهذه الروح معنى آخر، إذ كانت تظللنا بالمحبة والفرح حتى في أشد حالات الضيق واليأس التي تنتابنا شأننا شأن أي موظفين في أية مؤسسة أخرى، اليوم كانت تلك الروح تشذب الصمت والحزن والخوف من أول لقاء مع رئيس التحرير محمد البنكي الذي كان يكفكف ألم الكثيرين من أبناء وطننا الأصغر، بعد هذا الخبر القاصم.
كان دائما ما يسرق اللحظات من عمله المتعِب، كي يذهب إلى مسقط رأسه المحرق ليكون قرب الحضن الذي ضمه طفلا وكبيرا، وكلما تأخر عن زيارة الفقيدة، تجده مضطربا قلقا لأنه لم يعتد أن يشتاقها دون أن يراها، ليبرد نيران تلك الأشواق اللصيقة به، أينما حل.
اليوم ذهب إلى مسقط رأسه ولكن هذه المرة ليواري الحضن الذي أحب في التراب، يواريه وهو على يقين أنه لن يسكنه حين يشتاقه إلا في الحلم.
ها هو في هجير ظهيرة الاثنين وسط مقبرة المحرق وحوله لفيف ليس بالقليل من أهله وأصدقائه وأبناء " الوطن الأصغر"، صامد رغم كونه مخلوع الفؤاد، يدعو كلا باسمه ويشكره على التعزية، بعد أن أدى الواجب الذي لم يقم به مع والده – يرحمه الله – يوم وفاته بسبب ظروف مرضه التي لن تدعه ينزل جثته في رمسها، لكنه اليوم هناك، وأخاله يفكر كالطفل الذي تسافر عنه أمه: كم سيفتقد حضنها وكفيها اللتين يقبل كلما عصف به الشوق وازداد في قلبه الألم ليحصد الأمل ويفرح بقربها.
عاد الأصدقاء من المقبرة والهم بادٍ على وجوههم يتحدثون عن صمود هذا الجبل في أقسى اللحظات، الجبل الذي لم تهزه ريح أو عاصفة يوما رغم الألم الذي يكاد يفتك به اليوم.
عادوا وهم مكفنون بالوحشة والقلق من الأيام القادمة التي سينشغل بها رئيس التحرير عن الوطن ليكون في موقع العزاء ..
أعتقد أن الليلة ستجتمع في صالة الشيخ عبد الرحمن الجودر مختلف الأطياف والجنسيات والنيات لتعزية البنكي الذي لا يخلو من دمع.


إنا لله وإنا إليه راجعون..

الأربعاء، 15 أكتوبر 2008

تكـــــــــويــــــــــــن 1



كان فيما مضى..
يجلس متكئا على عرشِه، ذات حزن،
يَشْرَق بوحدتِه دون وردةٍ تحني مساءاتِه بالعبق
خلقها وانتظر الشوقَ يتأجج في الخلايا،
شقَّ من شريانِه نهراً أسرته الأنوثة،
خلدته عينان تتثاءبان في وله
كان كنرسيس،
شامخا بصمته
يتداعى كلما ضن عليه الليلُ بطيف..
ولا سبيل للشوق في خلايا تربته.


* من ديوان " وكان عرشه على الماء"


الثلاثاء، 14 أكتوبر 2008

بصورته تسكن الملائكة..




من حروفه تزهر البحور

يخرج من حلمه، مشتعلا بالوقت، والحرف..
لم يشأ أن يحفظ بحورا خليلية فأسس محيطا (حداديا)، له كائناته المميزة التي تشير دائما إلى مصدرها حتى وإن لم تقرأه..
له من الزهور ما أغنى جنة الشعر، وغامر بالتفرد..
كانت وردته الأولى (البشارة) تبشيرا لجمهور الشعر بولادة شاعر بحريني من شأنه أن يعلي اسم البحرين في المحافل الدولية وكان له ما أراد.. دون أن يريد..
أغرق الشعر بأبجدية احتكرها فصار لزاما على من يريد الكتابة ألا يقع في شركها، فتأخذه فخاخ النقاد..
متعففا عن جثث العبارات...
تتكاسر على صوته حروف الله فيغمض نبضه على صورة ملاك أغضبه اكتناز أبجديته..
يسمع أنين الحديد وهو يكتشف النار فتصرخ عظامه لتكون حديدا جديدا للزمن أن يشعلها بنار الأعداد الذين يتربصون باستقامته..
يستذئب كلما اكتشف كيمياء المسافة فيعود مفؤودا لعالمه الأليف..
تضرم الوحدة خدرها في جبينه، يعكف على ( قلب الحب ) ليهديه تذكرة سفر للحرية، هو الذي كلما غادرته أسئلة الكهرباء تألق شعرا..
وانتصر
فارق ( طفولة) ليهبها حرية سرقها منه الزمن الخطأ..
أخرج رأسه من المدن الخائنة .. وثار دمه ثانيا ..
أنبت (المحمدي) في حدائق صحوته، ليرتد عن حلمه كلما استفحلت المسافات فيعود له محملا بالشوق والظمأ..
في القيامة نجا بالذبيحة من شظايا النخاسين، وانتمى لليلك فرّ من نصال الأصدقاء..
أوغل الدار بألفة الضوء فكان ( صديق القمر ) عنوانا لاكتمال الأثافي..
مشى محفورا بالوعول في هدأة القصيدة وهمس المجانين، معليا صوت الغربة في الوطن ..
كانت بلاده ساحة حربه الأولى، فأجج شهوة الأقلام وانتدبته الملكات مجنونا مشتعلا يرسمهم نورا في عزلتهن ..
كتب قبره ففرغته القبيلة لنشره فامتلأ وردا دون جسده..
للجهات التي راوغ لثغة الألم ودمعة الفراق..
هو المارق على المسافة يعالجها كلما ضن عليه الليل بغفوة..
يعتزل الأحباب كلما أثث قلبه قصيدة، ليدع الكتابة تحلم ويرجوهم ألا يوقظوها..
كل المستحيلات تنتحب وهو يتظاهر بالغفلة ، فتخطئه كثافة الغيم ويتسلل نوره للسماء..
بينه وبين الماء عين الغريب إذ يطل من غرفته، فتبهره وسائد وثيرة اعتادت على دمعه وأوهمت الذئاب بدمه ولا قميص لديه يقده من دبر..
بينه وبين الماء شهوة اللون ومذاق الغواية ..
ماء ينتفض رهبة على بياض ورقه..
لا ذات يعرف عندما يغزوه نصل القلم فيبنيها أحرفا ونقاطا..تتماثل علامات الاستفهام على أنامله فتأخذه ضراوة سحرها تاركا أسئلة دون حاجة للإجابات
خلق آلهة.. وشياطين.. وجعل بينهم عراكا مستمرا، ليتنصر الأقوى بالمحبة في اليوم السابع..
متطرفا للشعر متطرفا للغواية متطرفا للجنون
لم يشأ كتابة السهل حتى لا يهدر دمه، فيكتب الغامض ليهدر الدم..
في مجنونه راوغ اللغة فراوغته ألسن من لا يعرف براءة عينه ونبض فلبه، ليحكم عليه بالشتم والفجور وهو الذي فجر بالحب وصلى للحب..
يصول ويجول في نصوصه، يعبث بالآخرين كلما آلف بين الكذب والخيال، فترى الناس ذهولا، مطفأة قناديل بوحهم، أتراني الذي كتب؟
أتراه هذا الذي يكتب؟
تنتابك شهقة الميت عندما تعرف خطوطه الحمراء الكثيرة وهي التي ترتسم في واقعه، فيجن القاصي كما جن الداني..
يقرأ النص كما قرأ الحياة أو أقسى،
ببحة صوته تهدر العبثية التي يدعي
فتنتحب المرايا معلنة انتصار صوته وبراعة الأقنعة..
لحضوره وردة الله، تختل له البوصلة فلا ترى الغرب كلما طال الشمال...
لم يكن يوما بهذا الشكل ولا بشكل آخر..

السبت، 11 أكتوبر 2008

هل من معهد دراسات عليا للموسيقى



الموسيقى.. تلك الزهرة التي تنشر عبيرها في الأجواء، والتي بها تتجاور مع المحبة، وتنصت لها شرفات الملوك..
تتبارى الأنامل من أجل نسجها وتنحني لها الآذان إجلالا..
لا زالت تتغافل عن رعايتها الأعين الرسمية، ولا زالت تقبع في آلاتها متخوفة من رجال الدين حينا ومن الأهالي الذين يرفضونها حينا ومن أولي الامر الماسكين بزمام العقول أحيانا أخرى.
تستجدي لطفا من صاحب، وسلما من عدو..
هاهو الموسيقي ما إن يفكر في اكمال دراساته الجامعية في المجال الذي يحبه حتى يضطر للملمة ذكرياته وأشلائه في حقيبة سفره، متجها لبلاد تحتضنه وتحتضن موهبته حاملا في قلبه – أحيانا- دمعة تراوغ فرحته بتحقيق جزء من أحلامه، فنحن لا نمتلك معهدا موسيقيا يرعى الدراسات العليا رغم بح أصوات الموسيقيين والمهتمين المطالبين بانشاء مثل هذا المعهد، ففي أغلب المحافل التي يفتح فيها ملف الموسيقى تفتح معه هذه السيرة، ولا من سامع أو مجيب..

هذا إلى جانب المعاهد التي تقدم دورات تعليمية للمبتدئين أو من أراد تعلم الجديد والتي دائما ما تكون أهلية وتغلق بعد فترة قصيرة اللهم إلا من أراد لها الله البقاء كالمعهد الكلاسيكي الذي فتح منذ الثمانينيات ولا يزال يعاند الموت حتى اليوم ومعهد البحرين للموسيقى، ومعهد بتهوفن، ولكن تبقى هذه المعاهد مقتصرة على الدورات التدريبية وتنمية المواهب، ولا تعطي شهادات عليا.

وإذا تعذر وجود مثل هذا المعهد الرسمي للتعليم لعالي الخاص بالموسيقى والذي يوجد في العديد من الدول كالكويت أو مصر مثلا، ألا يمكن إدراج تخصص الموسيقى ضمن الجامعات الأهلية العديدة المفتوحة مؤخرا في البلاد أو حتى في جامعة البحرين التي تفتح بين الفترة والأخرى تخصصا جديدا يتماشى وسوق الطلب ؟

هل سيبقى الأمل محصورا على معاهد قليلة أهلية لتربية أجيال موسيقية تسقيها فنا ساميا نبيلا يحمل من الرسالات ما لم يستطع حمله العديد من الفنون الأخرى، وتخلق محترفين قادرين على منافسة أقرانهم في الدول الأخرى ؟

وماذا لو أنشأت لدينا المعاهد الرسمية التي تحتضن الراغبين في الدراسة، هل ستكون النظرة للموسيقى هي ذاتها التي تتناقل اليوم ؟

وهل المسئولون لا يعرفون أم هم لا يقدرون الدور السامي الذي تقدمه الموسيقى في رفع الذوق العام وإيصال الرسائل النبيلة للبشرية التي لم تعد تسمع إلا أخبار الدمار والحروب ؟

إلى متى سيبقى لزاما على من يريد دراسة هذا العلم الراقي أن يتغرب كي يحصل على مناه أو يتنازل عن أمله بسبب عدم قدرته على السفر لفقر أو عدم قدرة على تحمل نيران الغربة المؤذية ؟

الدراما البحرينية - ولادات قيصرية 2/2



ما تزال الدراما البحرينية تحبو مقارنة بالدراما العربية، وما زالت تجهل بعض أسرار التميز واستقطاب الجمهور، فنحن نسمع بين الفترة والأخرى شيئا حول تخلفها عن بدايات التسعينات وأواخر الثمانينات، من قبل المهتمين والمتابعين من الكتاب والنقاد ومن خلال الجمهور من عامة الناس.
أتذكر إحدى الأخوات التي كانت تقول أنها تسمح لأبنائها بمشاهدة الأفلام الأجنبية لكنها تحظر عليهم مشاهدة المسلسلات المحلية والخليجية، خوفا عليهم من التأثر بما تحمله هذه المسلسلات من أفكار وعنف وألفاظ!!
وأتذكر ردود الأفعال حول أحد المسلسلات الذين عرضوا في أواخر التسعينات، خصوصا فيما يتعلق بالكلمات غير اللائقة التي كانت تستخدم فيه والتي كتبت عنها العديد من المقالات في الصحافة المحلية، ناهيك عن بعض العادات والظواهر الدخيلة على مجتمعنا المحلي والتي تعرضها هذه المسلسلات وتكررها في أغلب الأعمال، إذ انتشرت العديد من الظواهر السلبية في المجتمع نتيجة محاولة تقليد هذه الشخصية أو تلك خصوصا من قبل المراهقين والأطفال!
أعتقد أننا بدأنا في تكرار أنفسنا في هذا المجال بشكل يبعث إلى الملل، ولم نقتصر على هذا التكرار بل تعديناه إلى تكرار المسلسلات الخليجية وأفكارها أيضا وهذا ما يجعلنا بعيدين كل البعد عن الجمهور البحريني البسيط الذي لا يرى في هذه المسلسلات ما يعبر عنه.
وإذا كنا نهدف إلى حل بعض الظواهر السلبية من خلال هذا الطرح – وهذا هو مخرجنا الوحيد لتبرئة ما وقعنا فيه- فهل من المفترض أن نقوم بحلها بما هو أقبح منها؟
لقد كانت بعض المسلسلات الدينية كالكلمة الطيبة مثلا تعرض بعض الظواهر السلبية ولكنها لم تكن تبرئها أو تعذرها من خلال الطرح، ولم تكن يوما تزين ما تقوم به شخصياتها.
وأنا هنا لا أطالب بالطبع أن تتحول جل مسلسلاتنا إلى مسلسلات دينية، وإنما ذكرت هذا المثال لكي أوضح أنه بإمكاننا طرح المشاكل بصورة أكثر نضجا وقبولا.
وإذا ما تجاوزنا مسألة الظواهر السلبية سنجد الضحالة في الطرح أيضا والمماطلة في الأحداث فباستطاعتك أن تنقطع عن مشاهدة مسلسل ما لمدة 3 أيام دون أن يفوتك أكثر من حدث واحد مهم – هذا إن وجد – عوضا عن بعدنا عن واقعنا المحلي ومستوى المعيشة لدينا إلا في المسلسلات التراثية !
أنا بكل ما طرحت اليوم لا ألقي باللوم على القائمين على هذه المسلسلات فقط، بل هناك تلك النواقص في الإنتاج أيضا والتي تحدثت عنها في المقال السابق وما لها من تأثيرات سلبية عديدة على مستوى الدراما المحلية.
فمتى يحين الوقت الذي تتكاتف فيه جهود المنتجين والكتاب والمخرجين للظهور بالشكل الأليق من خلال واجهتنا الإعلامية الأولى التي تنتشر في الفضائيات انتشارا لا يمكن حده.
( الصورة أعلاه أثناء تصوير أحد المسلسلات البحرينية )

الدراما البحرينية - ولادات قيصرية 1/2



أظن أن الجميع متأكد أن لدينا الكوادر المناسبة لخلق دراما تلفزيونية بحرينية قادرة على المنافسة خليجيا، أقول هذا لأن لدي أسبابي العديدة التي يمكنني ذكر بعضها:
- نحن نمتلك الكتاب المتميزين المطلوبين لدى العديد من مؤسسات الإنتاج الخليجية لكتابة سيناريوهات مسلسلاتهم.
- نحن نمتلك مخرجين قادرين على المنافسة واستطاعوا بعد فترة وجيزة من الإنتاج التلفزيوني المحلي أن يكتبوا أسماءهم في العديد من المسلسلات التلفزيونية الخليجية تحت كلمة إخراج.
- نحن نمتلك العديد من الكوادر الفنية في مجال التصوير، الماكيير، والإضاءة ممن قاموا بهذه العمليات في مسلسلات خليجية، وأبدعوا فيها.
- نحن نمتلك الكوادر التمثيلية التي استطاعت الخروج عن المحلي والمشاركة في المسلسلات الخليجية بشكل لافت.
- نحن نمتلك الكثير والكثير..
وبعد كل هذه المعطيات، نحن لا نزال نحبو في عالم الدراما التلفزيونية المحلية، فأين المشكلة إذا ؟
وما الذي يجعلنا متخلفين عن الركب الدرامي الخليجي على الأقل، ونحن نرى دولة كالكويت مثلا تنتج العديد من المسلسلات بالاستعانة بالعديد من الكوادر البحرينية في شتى المجالات وكذا حال قطر على سبيل المثال ؟
في هذا المقال لن أتكلم عن تخلفنا من حيث المستوى فانا أعلم أنه ربما لدينا العديد من النواقص والسلبيات في مسلسلاتنا ولكن لنعالج مسألة الإنتاج أولا حتى نستطيع اختيار السيناريو الأفضل والمخرج والممثل الأجدر ليقوم بصناعة مسلسل جدير بالمشاهدة في ظل هذه المنافسة القوية القادمة من سوريا على سبيل المثال، لذا لم أتكلم في موضعي هذا عن هذه النواقص وسأفرد لها مساحة أخرى في مقال قادم.
ولكن سأتحدث عن تخلفنا من حيث الكم، فنحن ننتج 5 مسلسلات في العام على أقصى تقدير وكلها تصور وتعرض في شهر رمضان ضمن جوقة كبيرة من المسلسلات التي لا يستطيع المشاهد متابعة ربعها على الأقل لكثرتها وتشابهها.
وعندما تسأل عن السبب تجد أن الجواب واحد وهو عدم وجود المنتج الراعي لمثل هذه الأعمال !!!
ألا يجدر بنا ونحن الذين نمتلك هذه العنصر الفنية أن نخلق جوا استثماريا في هذا المجال يعطي البلاد مجالا جديدا في الاستثمار وزيادة الدخل؟
لم لا تقوم وزارة الإعلام، أو هيئة الإذاعة والتلفزيون بتبني بعض الأعمال الدرامية كاملة، أو بمناصفة رأس المال وبالتالي صافي الربح مع الشخص الممول لهذه المشاريع سواء أكان ذلك الممول مخرجا أو منتجا أو كاتبا؟
ما يهمنا الآن هو عدم إضاعة الفرصة وعدم دفعنا باتجاه هجرة كوادرنا القادرة على التميز بسبب عدم جود الفرصة المناسبة لها في ديارنا، من خلال وضع خطة واضحة للإنتاج التلفزيوني.
( الصورة أعلاه لقطة من مسلسل بلا رحمة )

العازف الذي تفوقت أنامله على بصره



بشعره الأجعد القصير، وعيناه المطبقتان - غالبا- يطل مفردا ظهره بابتسامته الطفولية التي لم تظهر طوال عزفه إلا عند انتهاء مقطوعاته، يحمل الكمان أمانا بين يديه ليسدله على صدره متكأ على رقبة طويلة تحمل من الكبرياء ما لا يضاهى.
في تقاطيع وجهه إصرار لا يخلو من المرح، وفي طوله دليل على طول باله.
يعلمك أن لا مستحيل في الوجود، فدائما ما تجده واثقا مما يمكنه فعله.
علي العليوي، الكفيف الذي رسم من ريشة الكمان عيناً تريه جمال اللحن، ومن الكمان عينا ثانية تحن إلى روعة الموسيقى.
هو القادم من القرية، الموسوم بالعزة والبساطة..
قادم من القرية محفوفا بشذى المدينة وخروجها عن المعتاد الذي تجلى في ألحانه وأدائه.
أبى إلا أن يدرس ما لم يدرسه كفيف من قبل في المملكة، فقرر دراسة الحاسوب، ذلك الجهاز الذي طلق منه موقعا خاصا بالموسيقى من تصميمه وإشرافه، لينتشر صداه في كل الأرجاء ويكون وجهة لكثير من المهتمين بالموسيقى.
علي العليوي معجزة الشباب القادر على كسر كل مستحيل.

العازف الذي لا يغيب إلا ليحضر..



في تقاطيع وجهه الحادة، شيء يشي بموهبة لم تأتِ من عبث، هو الخارج من سلطة الحدادة إلى سلطة الموسيقى.
أنفه البارز يدلك على أنفة شامخة، وشفاهه الغليظة لا تحمل إلا مواصفات ابن البلد الذي لا يكل ولا يتعب.
يحتضن العود كأنما في حضرته حبيبة، يداعبه برفق ويرقص معه على أنغام ما يصدره من موسيقى طربت من اهتمامه البالغ فأطربت، حتى لتظن أنه ربما نسي أن ما بين يديه عودا.
يجلس على الكرسي كأمير يختار عرشا من ألحان، يضع الرجل على الرجل بانتظار أن يسند محبوبته على إحداهما.
حسن حداد، الغائب دائما عندما يحضر الجميع، الحاضر عندما لا تغيب الموسيقى.
يغير رأيه عند اللحظة الأخيرة على المنصة، ضارباً عرض الحائط ما أعده مسبقاً حسب ما يراه من تفاعل جمهوره أو ذوقه.
لا تستطيع أن تجزم أنه سيقدم هذا أو ذاك في أي أمسية، فهو الذي لا يهتم بأعراف في الموسيقى، لكنه يأتي بالجديد الذي لا يهز مضجع أعراف اجتماعية عامة قد نكون مللناها.
هو الذي لا يحمل قناعاً واحداً عندما يعزف، فالموسيقى حقيقته التي تريك أنه على سجيته بعكس بعض الموسيقيين أو المبدعين.
يستهتر أحيانا بأدائه ثقة منه بنفسه وبأنامله..
لكنه يبقى الحسن الذي لا تحده الحدود في جديده.

الأربعاء، 8 أكتوبر 2008

الترجمة بين الآمال والمعوقات



بعد صدور الأنطلوجيا الشعرية "اللؤلؤ وأحلام المحار" التي جمعها وترجمها الشاعر عبد الحميد القائد نهاية العام الماضي، اتسعت دائرة الطموح في مجال الترجمة لدى العديد من الشعراء والكتاب في مختلف الاتجاهات، وعلا صوت المطالبين بتبني رسمي واضح لمشاريع الترجمة؛ فقد صدرت هذه الأنطلوجيا بعد العديد من سنوات القحط والجدب في هذه المساحة، لتكون الوحيدة في مجال ترجمة المحلي إلى العالمي.
لا أحد يستطيع إنكار الدور البارز للعديد من المترجمين المحليين فهناك العديد من المحاولات الجاهدة في مختلف المجالات الأدبية والشعرية والفكرية والسياسية والفنية، لكنها لا تتعدى ترجمة الأجنبي إلى العربية ونشرها في الصحافة المحلية، عدا القليل من الكتب التي طبعتها وزارة الإعلام من خلال مشاريع النشر المشترك أو من خلال مشاريع كتب البحرين الثقافية أو محاولات متفرقة هناك وهناك.
وإذا ما قارنا أنفسنا في المملكة بالدول المجاورة فإن الهم يطالنا بشكل أكبر والحسرة الممزوجة بالتمني تجتاح آمالنا، فمشاريع المركز القومي للترجمة في مصر ومجمع اللغة العربية في الإمارات العربية المتحدة والمجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت والعديد العديد من الجهات الرسمية العربية والخليجية، تجعلنا نسعد بوجود مثل هذه المشاريع والحسرة تأكل قلوبنا على افتقادنا لمثلها في مملكة صغيرة تضم العديد من الكتاب الذين يستعان بهم وبأوراقهم الثقافية في العديد من الدول العربية والعالمية.
وهنا لا نستطيع الشك ولو لوهلة بأن المسئولين لا يعون أهمية ترجمة المحلي إلى العالمي، فهم أنفسهم يتحدثون عن أهمية وصول الكاتب البحريني لنطاق ما بعد المحلي من خلال المشاركات الخارجية التي يدفعون باتجاهها، ومن خلال دعمهم المستمر بتوفير التذاكر ومصاريف سفر العديد من الأسماء لحضور المؤتمرات والأنشطة الثقافية المختلفة.
إذا وجد مثل هذا الإيمان، وإذا وجد مشروع كمشروع النشر المشترك، فلم لا يوجد مشروع موازي لترجمة ما يصدر في هذا المشروع إلى اللغات الأخرى عن طريق التعاون مع إحدى دور النشر العالمية كما تم التعاون مع دور النشر العربية بغرض النشر في البلدان العربية التي باتت تعرف كتابنا جيدا أو لأقل بعض كتابنا ومبدعينا؟
وأنا بقولي هذا لا أقصد – بالطبع - أن يتم إيقاف مشروع النشر المشترك، بل قصدي هو توسيع دائرته إلى العالمي أيضا ولا ضير من التعاون مع مترجمينا المحليين ومن ثم عرض ما ترجموا على المختصين كما حدث مع أنطلوجيا اللؤلؤ وأحلام المحار.
لم لا تقوم أسرة الأدباء والكتاب - على سبيل المثال - باعتبارها الجهة التي من المفترض أن تضم الكتاب، بالتنسيق مع وزارة الإعلام من أجل تبني مشروع رسمي يخدم الترجمة في البحرين؟ فقد سمعنا عن نيتها بعمل أنطلوجيا سردية بحرينية باللغة الفارسية، فلم لا يتم التعاون مع الوزارة من أجل تمويل هذا المشروع ونشره في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
لم لا يصدر قرار رسمي، لما طال سمعه عن نية الوزارة بنشر أنطلوجيا للسرد البحريني باللغة الانجليزية منذ زمن طويل خصوصا وأن المترجمة موجودة ومستعدة وقد أبلغتهم باستعدادها هذا؟
لِمَ نضع الخطط والاستراتيجيات دون تفعيلها بتوقيع رسمي يتبناها ولا يتملص منها حتى نكون أكثر أمنا على أصوات كتابنا وتوصيلها للعالمي من خلال دور نشر محترمة ومعروفة، ودون أن نشغل مبدعينا بالتكلفة المادية لهذه المشاريع، في حال مولتها الجهات الرسمية؟

أسرة الأدباء والكتاب: التأسيس، الصراع والإبداع



كان الشاعر علي عبدالله خليفة مع كل من الدكتور محمد جابر الأنصاري والكاتب محمد الماجد، أضلع المثلث الرئيسي الذي ساهم في تأسيس كيان أسرة الأدباء والكتاب، هذا الكيان الذي عكس بوجوده حقيقة هذا المجتمع البحريني بتنوع أطيافه واختلاف أفكاره، وتعاطيه مع قضايا المجتمع البحريني والعربي والعالمي.
فكما قال أحد المؤسسين الذي قرر عدم نشر شهادته لاحقا: كان الأدباء في تلك الفترة يجتمعون في منازل ثلاثة هم: محمد الماجد، قاسم حداد، وعلي عبد الله خليفة، وقد انبثقت فكرة تأسيس كيان أدبي يحتضن هذه المواهب بعد عودة الشاعر علي خليفة محملا بالهاجس من الكويت التي احتضنته رابطة أدبائها بعد صدور ديوانه " أنين الصواري"، وبعد أن كتب المرحوم محمد الماجد مقالا في الصحافة يدعو فيها لتأسيس هذا الكيان، الذي صعب عليهم تسميته في بادئ الأمر فقد كانت جميع المسميات التي تدل على أي تجمع ممنوعة في تلك الفترة وذات وطئ ثقيل على السلطة، فاختاروا أخيرا تسميته أسرة الأدباء والكتاب في اجتماعات تتالت في بيت الدكتور محمد جابر الأنصاري، وقد قام كل من علي خليفة وحمدة خميس وخليفة العريفي بوضع الدستور لهذا الكيان مستعينين بالنظام الأساسي لرابطة الأدباء في الكويت.
بعد إشهار هذا الكيان في 3 سبتمبر 1969، كان رئيسه الأول هو الدكتور الأنصاري وقد أقيمت الفعالية الأولى للأسرة في 3 يناير 1970 حضرها أكثر من 1500 شخص بنادي النسور.
وكعادة أي كيان جديد وأي تيار جديد لاقت الأسرة العديد من المعارضات، خصوصا وأنه كان يضم مختلف الأطياف والطبقات، ولأن الخروج عن مسار الآباء في نظر البعض خطيئة، قام بعض التقليديين أمثال محمود المردي والشيخ عبد العزيز بن محمد آل خليفة وآخرين بالهجوم الجهري على الأسرة وأعضائها، كما كتب يوسف الشيراوي في جريدة الأضواء يوما: " ما هذا يا أنتم ؟ " .
والأهم في تاريخ الأسرة أنه لولا محمد جابر الأنصاري لما ظهرت للنور، إذ أن وزارة الداخلية رفضت حينها التصريح لهذا الكيان إلى أن تدخل الأنصاري وكلم الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ليصدر قرار بالموافقة على هذا الكيان ولتكون المؤسسة الأهلية الوحيدة التي جاء أمر تأسيسها أميريا ولا يمكن إلغاؤها إلا بأمر ملكي..!
لقد لعب هذا الكيان دور هام في صناعة الأدب البحريني وإخراجه إلى العربية والعالمية من خلال مجلة كلمات التي ذاع صيتها في كل العالم العربي وكانت محط أنظار العديد من الأدباء والتجمعات الأدبية، إضافة إلى الجلسات النقدية الصارمة التي كانت تحدث في قاعاته، والفعاليات الهامة للعديد من الأسماء المحلية والعربية.

أقلام سينمائية مهمَلة




عندما قال السيناريست فريد رمضان " لا مشكلة لدي في كتابة رواية، فالأفكار موجودة وكثيرة، لكنني أردت أن يكون نص حكاية بحرينية سيناريو لفيلم بحريني، رغم إصرار العديد من الأصدقاء على إعادة كتابته ليكون رواية"، طرح لغماً في وجه المعنيين بالأمر دون أن يعني ذلك أو ربما عني ولم يشئ التصريح!
فكم جميل أن يصر كاتب على كتابة سيناريو فيلم بحريني رغم علمه أن لا وجود لمخرجي أفلام إلا ما يمكن عده على نصف أصابع اليد الواحد ( وأعني بالنصف ما أعني )، هذا إلى جانب عدم وجود صناعة بحرينية للأفلام تتناسب مع عدد الكوادر التمثيلية البحرينية الرائعة التي بإمكانها ضخ العديد من الأفلام البحرينية الجميلة في السوق العربية لما تمتلكه من إبداع في التمثيل، أن يصر كاتب على كتابة سيناريو رغم علمه التام أنه لن يرى النور قريبا وربما لن يراه أبدا فهذا دليل على وجود الرغبة الجادة لهذه الصناعة التي تندر في الخليج العربي وفي البحرين خاصة.
فإذا كان كاتب السيناريو الجاد والمخرج موجودين، فلم لا تتبنى بعض الجهات الحكومية أو شركة البحرين للإنتاج السينمائي أو شركة البحرين للسينما هذه الصناعة ولو بشكل مبدئي عن طريق الاعلان المسبق في جميع وسائل الاعلان البحرينية عن فتح المجال أمام كاتب السيناريو البحريني لكتابة فكرته بمقابل مادي يحدد مسبقا – على ألا يكون أقل من المطروح حاليا في السوق الخليجية التي تطلب النصوص من بعض المبدعين البحرينيين – وبهذا نكون قد وظفنا هذه الأقلام القادرة على الكتابة وأعطيناها حقها ومنحناها الفرصة لتطوير أدواتها من خلال الاستمرار في الكتابة ووجود من يتبناها في النهاية، حتى ولو لم توجد لدينا الإمكانات الانتاجية التي من شأنها أن تنتج هذه الأفلام في الوقت الراهن، وبالتالي فإنه في حال ظهور هذه الجهات، يمكنها أن تجد ما ينتظرها من نصوص لتنطلق في مباشرة عملها، قد تبدو هذه الفكرة حلما للوهلة الأولى لقارئها ولكن لم لا نحلم علنا نجد محققا لأحلامنا كما نشاهده في السينما...!
إن تعذر تحقيق هذا الحلم لم لا تقوم وزارة الإعلام أو قطاع الثقافة بتبني مسابقة لأفضل سيناريو فيلم كما اسحدثت مؤخرا مسابقة لأفضل نص مسرحي أو كما وجدت من قبل المسابقة " المرحومة " أفضل نص غنائي وطني والتي أوقفت منذ فترة وغيرها من المسابقات المطروحة لبعض المجالات الأخرى التي تشجع الكتاب على الكتابة في هذا الحقل أو ذاك، بل لم لا نقوم بتشجيع الكتاب عن طريق تكريم كاتب سيناريو الفيلم الوحيد الذي ينتج كل ثلاث سنوات فهل سيكلف هذا الدولة الكثير؟

لكي تَرْتَبِكَ كلما قرأت





ثمة ما يجعلك تقف وقفة العاجز/ الممتلئ وأنت تفكر في الكتابة عنها، فمن أي الجوانب ستبدأ ومن أي الفضاءات ستنطلق؟
للكتابة عن أهداف سويف يجب أن يعصف بك مهب عالمين، حضارتين، فكرين، يوحدهما وجودها بينهما بكل تفاصيلهما اليومية، إذ مزجت بين هنا وهناك في رؤاها وتاريخها، وكتاباتها.
أن تكتب عنها، فذلك يعني أن ترتبك حد المجازفة، لتخوض غمارا غير مألوفة لديك كشرقي كلما قرأتها غربية، وكغربي كلما تجسدت لك شرقية.
تذهب نحو القصي من العروبة هنا؛ لتطفو الحقائق من خلال أحرفها، فتعطي هناك العصي عن القول.
جمعت بين لغتين - كما عاشت مجتمعين- فتلك الطفلة قراءة الأدب بلغة انجليزية لذا بدأت أهداف الناضجة الكتابة دون أن تقرر باللغة ذاتها، فكان للأدب لغته الانجليزية وللواقع لغته العربية لديها حسب قولها ذات مقال.
لم تكتب مصر كما كتبها غيرها عندما يريد الكتابة للغرب، إذ اهتمت كثيرا بالشكل العام للمصري، وبتحسين صورته لدى الآخر الذي سيقرأ الرواية ليتعرف على ملامح مصر الحقيقية بعيدا عن التسويف أو المغالاة في إبراز السلبية، فهي لم تفكر في بيع رواياتها للغرب كي تظفر بجائزة، بل كانت ترى أن الكتابة إلى العالم الآخر يجب أن تكون كتابة لا تمس المجتمع العربي بأذى ولا تنقل سلبياته كي يظفر كاتبها بشهرة.
بجرأتها في سرد التابوهات استطاعت أن تطوف شهرتها البلدان، فهي إذ تتكلم في رواياتها عن العلاقات الحميمة بكل تفاصيلها بين البطلة والبطل أو الأبطال، تكون قد اخترقت واحدا من هذه التابوهات التي شرعت بعض الروائيات العربيات مؤخرا في الكتابة عنه بشكل عشوائي، تكتبه لمجتمع قادر على امتصاص "حيائه" إزاء "كشفها"، لكنها تصطدم برقابة المترجم عندما يتعلق الأمر بالعربية.
كاتبة روائية نموذج لما يجب أن يسير عليه الكاتب حسبما أرى في تعامله مع أدبه، وطريقة نقل صورة وطنه ومواطنيه إلى الآخر الذي قد يأخذ كل ما قرأه في هذا النتاج الأدبي وكأنه الصورة الوحيدة لهذا الوطن وأولئك البشر، هي نموذج لتحدي ازدواجية الثقافة والمنشأ كي تكون أنت كما تريد لا كما يريد الآخر منك.

الأحد، 28 سبتمبر 2008

أسرج اللوحة وأشعل الأحرف ورحل

في استدارة وجهه طفولة باذخة، تنبئ عن حس تمثل فنا تشكيليا باهرا..
نظرته الثاقبة المتأنية تأخذك نحو بعيد قادم بالأفضل والأجمل.
هو في النصف الآخر من الحي يرسم على الجدران قصصه ولوحاته، يحيل البياض أجسادا ورصاصا، رمادا ونارا، لحنا غجريا صاخبا وموسيقى..
في خطوطه شيء من الأمل، من الحرية وأشياء من الأصالة التي لم تبعدها ليالي باريس عنه..
الفنان الذي لم ينس هويته العربية، ولم ينسل من تاريخ أو أرض احتضنته فأهداها قلبه..
هارب نحو الخيل الذي تمثله فأبدع تجسيدا، وأغمض جفنيه حالما..
بقر البياض واستبدله برصاص استهدف ركود الفن العربي، فأثرى مكتبته الفنية بجميل لوحات حكت ما عجزت الألسن عن قوله..
لم تكن كل تلك السنين واللوحات وكل تلك الكلمات التي سطرها حول الفن والخيل والإبداع، سوى جزء من مشوار أراده زاخرا فكان عظيما..
بعدسته اخترق الألوان وبرصاصه اخترقته الخطوط، فكتب مناهج لتدريس التصوير الضوئي وكتبا كانت رسلا لمحبي الفن..
جاء محملا بروح أوروبية، أسرجت لجامها روحه العربية فأبدع مزيجا من التجديد والأصالة لم تستوعبه كل تلك البياضات التي من حوله، فنهض باحثا عن قلم يسطر به خواطره..
أصابعه الرشيقة بحركاتها الناطقة تحكي ما لم يقله بين السطور في حديثه معك، وفي حديثه واللوحة.
هو الذي خلق خيولا لم تكن لتستكين لغيره، فأحكم لجامها، وأسرجها نحو المميز المذهل.
صنع قوارب لم تتضرع أخشابها إلا إليه لتبحر في لوحاته ذاهبة نحو مجهول كان يعيه تماما.
كان محمود الخلق، واثق الخطى، لم يتعثر إلا بمرضه..
هو أحمد باقر الفنان الذي لم يمهله الموت ليحتفي بآخر تكريم له وليشهد معارضه القادمة التي ستكون فيها خيوله دون حوذيها وستصهل فيها أحلامه دون عينيه الباردتين
.