الثلاثاء، 25 مايو 2010

البنكي: سمات صالحين وضحكات مرحين وجدية الأقوياء



"دائما ما كنت تقول لي: اريد أن أقرأ بورتيرها شاملا لي يكتبه قلمي، اعدك أنني سأفعل قريبا ليكون دليلا لمن لم يعرفك، وما هذا اليوم إلا بعض من بعضك.."



حين قرر الموت أخذه بإرادة الله، أخذ معه ملامح ليست بالغريبة على من عرفه، وصفات ليست كما يظن من لا يعرفه.
ربما لن يكون جديدا على من عرفه ذلك النور الذي يشع من وسط جبينه تتخلله خطوط عرضية قصيرة رسمها الزمن والتعب عليه، نور قد يكون مستلا من إيمانه بالله وبالقضاء والقدر، فكثيرا ما كان يقول السابقون أن من صفات الأولياء والصالحين الوجه المضيء.
مجرد أن ترى نوره حتى تعرف أنك أمام محمد البنكي، الإنسان الصبور ذو العين الضاحكة الفاضحة ، التي كثيرا ما كانت تفضح مشاعره وما يختلج في نفسه، كيف لا وهو الذي كان يتحدث عن حديث العيون في أكثر من مقال ومقام؟
نظراته تأخذك إلى عالم من الإصرار والمرح والقوة في بعض الأحيان، إذ لم تكن تعبر كثيرا عن إصراره وقوته لما تحمله من ابتسامة دائمة لم تغادره حتى عندما اشتد مرضه في أكثر من مرة.
السواد المرتسم حول عينيه والتجاعيد في زاويتيهما يحيلونك إلى مشواره المضني في الحياة العامر بالتحديات والعقبات التي اجتازها الواحدة بعد الأخرى بنجاح رغم ما أخذت من وقته وقوته وصحته.
أنفه الطويل ينبئك بشموخ وعزة نفس عرف عنها وسطرها في كثير من المواقف ، هو الذي كان يكره التملق، والاحتفالات والزيارات وحفلات العشاء والغداء الرسمية، ككره للباس الرسمي الذي كان يقيد حركته على الرغم من ارتدائه له لضرورات عمله ومناصبه التي تقلدها.
شعره الرمادي كان دليلا على نضج ألم به منذ صغر سنه فكان الرجل صغير السن الذي لا بد وأن يأخذ بزمام أمور عائلته ويشارك أباه المسؤولية، وهو ما جعله أبا روحيا لكثير من الأشخاص من حوله بما يحمل من حنان ونضج وسعة صدر ونباهة وصدق.
دخل عالم الثقافة منذ بداية حياته ، فكان كثيرا ما يسطر أحلامه بشكل أدبي على الورق، ويدخر مصروفه الشخصي كاملا لشراء الكتب والمجلات الدورية التي اعتاد شرائها ، حتى تكون لديه مخزون لغوي وفكري وثقافي ظهر جليا أثناء دراسته الجامعية وعمله بعد ذلك في صحيفة الأيام في العام 1989 م.
أسس مع بعض الأدباء والمثقفين قسما ثقافيا متميزا آنذاك وأصدروا ملحقا ما يزال موجودا على الرغم من تقلصه واحتضاره في الوقت الحالي.
كما أسس مجلة تعنى بالنقد من خلال عمله في جامعة البحرين، تدعى أوان استمرت لثلاثة أعوام، وكان كثيرا ما يحلم بإعادتها من خلال موقع إلكتروني أو من خلال جهة ما بعد أن يأخذ الإذن من الجامعة لفعل ذلك ، حتى أن بريده الالكتروني حمل نفس الاسم لارتباطه الشديد بها لما حققته من نجاح باهر في الأوساط الثقافية والنقدية على المستوى العربي.
أسس صحيفة الوطن التي أخذت الكثير من وقته وجهده وصحته، فلم يبال باستياء حالته الصحية كلما سهر لإصدار ملحق ما أو صفحات متخصصة في مجال ما يفرضها حدث الساعة.
كان رئيس تحرير للوطن، لكنه كان دائما ما يميل إلى الثقافة وينحاز إليها، حتى كان محررو بقية الأقسام يبدون غيرتهم واستيائهم من هذا.
أنشا ملحقا ثقافيا يدعى الكنش مثل تحديا جديدا على المستوى الثقافي في عالم الصحافة المحلية وكان يحلم بإعادته حين توقف لنجاحه ودوره البارز في الصحافة الثقافية المحلية.
من خلال صوته تستطيع معرفة ما يدور في باله، فحين يتحدث عن أحد أصدقائه أو أحبائه يتحدث بهدوء وبطء فيشع الدفء من صوته وحين يكون حانقا غاضبا على شيء ما – إذ لم يكن يغضب من شخوص بقدر ما يغضب من أفعالها- تجده يسرع في نبرة صوته فتحمل النبرة الجديدة كل سمات التحدي والحدة.
كثيرا ما كانت يداه تتحدثان أيضا، إلى جانب عينيه وصوته، فقد كان يحركهما بحسب الموقف، ففي اجتماعاته الرسمية دائما ما كان يرسم دوائر متناسقة ذات مقاس واحد حين يتحدث عن نقاط ويعدد أهدافا مرومة، يشبك يديه حين يسرد موقفا مؤلما ، يمد أصابه الطويلة ذات الشكل المميز كلما أراد أن يتحدث في أمر نقدي أو ثقافي على الرغم من تمازج هذه الحركات في كثير من الأحيان.
لم يدعه المرض يكمل مشواره الإعلامي أو الثقافي أو الدراسي، فعلق كثيرا من المقالات والموضوعات التي لو جمعت لسطرت ستة كتب نقدية حسب آخر توقع له، ولم ينهي أطروحة الدكتوراه التي كانت حلما ماثلا أمامه عطلته زيارات المستشفى ومواعيد العلاج.
كان نعم الصديق لكثير من المثقفين والإعلاميين والأدباء ، ونعم الأب والمعلم ، فقد أسس مدارس للشباب في كل وظيفة يتسلمها، فهم أمله وثقته بهم لا حدود لها، وما جسد هذا الهاجس لديه ، البرنامج الصيفي " تاء الشباب" الذي حشد له ما يزيد عن مئة وخمسين شابا وشابة جندهم لخدمة الثقافة والوطن والإعلام ، فكان نتاجه إعلاميين جدد ومثقفين جدد ومهتمين بالقراءة وقياديين جدد .
رحل البنكي ، لكنه سيبقى خالدا بما حققه على الصعد الإعلامية والأدبية والثقافية والنقدية، وسيبقى مثالا لكل شاب بما حمل من إصرار ومثابرة وما حقق من نجاحات لم يقف حاجز الوقت أو المرض أمامها.

أين لغة العيون اليوم وأنت تنتظر التراب؟





"لرحيل الصديق محمد البنكي طعم الزقوم"


بالتأكيد افتقدتك كما نفتقدك!
أتعلم من هي ؟
إنها "الملاءات البيضاء والمضادات الحيوية والأربطة المعقمة وأجهزة التخطيط وقياس الضغط وأنابيب نقل الدم وأسلاك القسطرة ومزاجك الإيجابي وتوكلك على الله ومقاومتك ودعواتنا إليك بالشفاء"، هذه الزمرة التي تحدثت عنها ذات مقال آلمنا جميعا وأفجعنا حين قرأناه، فكيف بنا ونحن نستلم خبر رحيلك المفاجئ رغم النهاية الطبيعية لمرضى هذا الـ"خبيث".
سأكتب إليك عنك، وأنت الذي أحببت أن تكتب نعيك بقلمك لينشره مدير تحرير الوطن السابق عبد اللطيف نصار حين أشرت إليه بحفظه لحين اليوم الموعود الذي ما كنا ننتظر.
سأكتب عن صبرك وقوتك، عن تلك الابتسامة التي تشع بالإصرار والتحدي رغم عذوبتها ونبلها.
سأكتب عن قلبك الذي احتوى جميع زملائك في كل عمل تلتحق به، وجميع أصدقائك، ومحبيك.
سأكتب إليك وأنا متأكدة أن روحك ستقرؤها وأن كلماتي ستصل إليك، فالأرواح الطيبة تكون حاضرة عند ذكرها دائما.
ولكن ماذا كنت ستكتب أنت يا ترى في نعيك؟
بالطبع ستكتب أول ما تكب عن روان ولطيفة وفاطمة وجاسم [1] وقبلهم عن أم جاسم التي ما كانت تبارحك لحظة وهي تقرأ القرآن لعل آلامك تهدأ وكلها آمال أن تعود معها إلى البيت لتملأه بحبك، وخفة دمك وحنانك وأنت الذي ما بخلت به على أحد بحاجة إليه.
ستكتب عن لطيفة التي تمنيت أن تحمل طفلها الأول وأنت في صحتك وبكامل فرحك تهمس في أذنها "ابنتي أصبحت أما" كما كنت تحلم.
ستكتب عن جاسم الذي بدا يأخذ ملامح من تحب وتتكون الرجولة لديه، ليكون "رجل البيت من بعدك".
ستكتب عن روان الطفلة التي كبرت على إثر مرض والدها، والتي تعشق حضنك، وترسل إليك أشواقها كلما تأخرت.
ستكتب عن سمير صديقك الذي تحب وترى فيه جمال روح زوجتك ونبلها.
ستكتب عن والدك الذي خانتك ظروف مرضك فلم تنزله لحده، والذي كان القدر رحيما معه فلم ينزلك قبرك.
ستكتب عن مشاريعك المؤجلة وأحلامك الكبيرة وشهادة الدكتوراه والكتب التي لم يكن ينقصها إلا قليلا من الوقت الذي ما كان متوفرا لديك.
ستظل تكتب وسأظل أكتب إليك، وأرسل لرقم هاتفك رسالتي الأسبوعية لأسألك عن أخبارك وأتمنى لك جمعة مباركة.
أشعر بالرغبة في أن أضغط أرقام هاتفك وأرسل لك رسالة الجمعة لتفاجئني بردودك التي لم تكن كالمعتاد.
فهل تصلني منك رسالتي غدا؟
[1] روان ولطيفة وجسم وفاطمة ، أبناء المرحوم