الأحد، 29 يوليو 2012

أول المــــــــــــــــــــــــاء


كان في ما مضى..
قبل نهضةِ الليلِ من صحوتِه،
قبل هبوطِ جحيمِ الروحِ في جسدٍ
جالسا بحزنه،
أعطى الوقتَ جوهرةً،
تأملها وبكى،
لم يكن في بكائه صروح
كانت الدمعةُ نارا
أسمى ماءه دما ودمَه يأسا،
قال للنار: كوني ماءً، فنزل الدمع سيلا
لم يعرف كيف يسميه،
فتحت لغتُه قواميسَ جسدِه:
من السحاب سَحّ بقلبي قبل الفجر
من الينبوع نبع يضيء جدائل المسافة
من الحجر انبجس حبا
من النهر فاض دما
من القربة سرب حكاية
من الإناء شح أحرفا
من الجرح ثع بألمه ونثره على حصيري
ومن العين انسكب أطفالا يترعون الكون

قال لدمعِه في الفضاء، سمِّ الكلامَ واجعل أسماءه غامضة.



* من ديوان "وكان عرشه على الماء"

أول الدمــــــــــــــــــع


هجرته لما التقيا
فاض دمعُه في الغيوم
أرّخ الجمرَ شهقةً واستراح من الخلقِ لما تَعِب
مرّغ الأرضَ بالشوق
أسرج الماءَ رحمةً
فجَّر البحر
نحت المحجرَ واديا
سال فيه شلالٌ من دموع الإله.

هل كانت تعي أنثاه
إن دمعةً من إله القلوب انحدرت كوكبا من غياب،
خلقت كلّ هذي المياهِ
إذ تتناسلُ حرقةً وأنينا
آه لو كانت،
لرحلت من قديم،
تاركة لآدم متعةَ الغرق!



* من ديوان "وكان عرشه على الماء"

طعـــــــــــــــم المـــــــــــــــــــاء



رحلت وكانت فيما مضى تقول:
أتذكر الماءَ يغزوه نيزك كئيب
يبعثر النار في أحداقِه
تلتهب مراياه
تصفع ريحاً كلما انهارت دموعُها أوشكت أن تُفشيَ الأسرار
كفكف الماء حزنَه وانحدر
صور الصخرَ روضةً
أشعل الغيمَ،
غاص في دمعةٍ ثائرة.
ياله، كيف يزهر والأحضان تمعدنت بالزيف؟
له سماءٌ لم تغنه عن ألقه،
أرضٌ تتموج بها الأغنيات
تعبره سفنٌ شحبت مساراتِها
تثاقلت خطاه،
حن للجوهرة
لم تعره وجدا لم تسائله صلاة
ما عاد منسابا، ما عاد مشتعلا

كنت في الرحيل
كنت طعم الماء



* من ديوان "وكان عرشه على الماء"

مــــــاء التطهــــــــــير


رحلت وكانت فيما مضى تقول:
زبد البحرِ جسمي الذي بعثرته زرقة يديك
وجهي الذي طارده تبغك حين ينام بأشرعة ميناء يحرث الفرح
تعال تطهر بي وارم سلاسلَ جحيمِك خلف الموج
فجر زمزمَ شفتيَّ والعق عذوبَته،
فبينهما ينبوعٌ بنت العصافيرُ قربه أعشاشَها واستعارت منه الحياة
بينهما واحةٌ أسدلت مشيمتها للشباك
وجنةٌ مفتونة بك

ولدْت في الماء،
أجاءني المخاضُ في حضنِه،
لم أهزز جذعَ النخلة
أنجبت سيد الأشواق

تعال،
تطهر بي، تَبْرَئ من شؤمك
تُجْرِي الأنهارَ السبعة، عذبةً تطوق البلادَ بالمحبة
تعال،
فالغرق ماعاد لي،
والنور مازال لك.



* من ديوان  "وكان عرشه الماء"


مـــــــــــاء الاحتــــــــــــواء



رحلت وكانت فيما مضى تقول:
تعب مائي لكثرةِ الهروبِ
اشتعلت الدروبُ
وأنبياءُ الفجيعةِ يتقاسمون العصمةَ
يغترفون أشلاءَهم أضحيةً مصطفاة
يعترفون بليلةِ ظفرٍ تناقلوا عند بابها فتيات
يتربصون بظهورِهن
تحاك عند أقدامِهن مراثي الطهرِ
ويلبسُ الأنبياءُ ثوبَ الغرباء
يتعرون من الحكمة
وتلك الفتياتُ يقتحمن أسوار الربِّ
تخذلهن أجسادُهن
يعبرن النارَ بأرجلٍ مشقوقةٍ
وشعور محترقة
ومن اختلى بأخراهُن أغرقت نبوّته فتنة فينوس
يزجونك في أورادِهم
تأخذك عفةُ الماء
تبهرك الفتياتُ بزينتِهن
تتجلى عند أنفاسِك أقمصةٌ اعتلتها الأغبرةُ
ومراودةُ الموج
يغريك احمرارٌ شبَّ في محاجرهِن
وذنبٌ لم تقترفه تفاحةٌ هزمتها رغبةُ السقوط
لأي السواقي خانك الماءُ
أشعل بذاكرتِك الجفاف
وحلمك بالفتياتِ يرهق أهدابَك،
يقودك إلى التهلكة ؟


* من ديوان "وكان عرشه على الماء"

منشـــــــور في العشــــق 1


نقول للقلب:
هيّئ الجراحَ وانسحب
فقد أهدر الياسمين نداه
وانتفض
للريحِ أهدى فحولةَ إخوةٍ أقصتهم الجحيم
استفاقت أوردتك
وتعاويذُ عجوزٍ تدَّعي النبوة تنفي الليالي البيض
اشحذ جراحَك
وانتفض
حرر أنفاسَك،
غنِّ أحلامَك
وأبعد كلَّ التوابيت عن عينيك
أقصاك جنّازُها عن نطعه
أضرب عن حرثِ جسدك
وترهّب
خذ سرَّك
انقشه على نعشِك،
والتقط المواويل
كن ليثاً يضاجع ألفَ غابةٍ،
قامر بالخطيئةِ
وانتشِ
فلا الحبُ يغرق الوردَ
ولا الوردُ يعرفك.

يا ماءً يقطر من جبينِ الليلِ كلما اشتعل الندى بين أحضانِه،
هل لازال الوصلُ مقترنا بسفائنَ تنوح كلما هاج بها البحر؟
ظللنا نبحث عن قنديلنا المبحوحِ ذات مطر،

ما زارنا اللهو ولا غنانا بكاء.


* من ديوان "وكان عرشه على الماء".

وطـــــن الـــــمـــــــاء



تنحدر من أعلى الشوق أسطورة تدعى وطنا
نار لا لون لها بين عينين تفيضان نجوما
هكذا نفرد البوح شاطئا من نور
يذيب رؤانا ذات دهشة لينتفض كلما علمناه الصمت
نسرد ماضيا يندّي تقاطيع ذاك الوطن بسواد لم يسمح له البياض بالتمرد
تتلعثم قربه الأشرعة
يتبعثر أنين فنار أفناه الضوء
ولا تدق الأجراس
نغوص في شرايين تهاوت ذات مطر
لم نحسبه لجة ولم نكشف عن قلوبنا
وطن كان فيما مضى يتربع على عرش من ماء
اغتيل وما بقيت إلا رئتاه

يوميات امرأة على سرير المرض (1)



البياض يغطي كل أجزاء الغرفة، الأغطية، لباس الممرضات، الثوب الذي ترتديه، الملاءات، الكرسي الخشبي بالقرب من السرير الحديدي.. البياض يكاد يكون اللون الوحيد الذي تراه عيناها المتعبتان، حتى الجدران لم تقبل بتغير لونها، فنظافتها لم تدع مجالاً لأي لون أي يتخللها..
تجول ببصرها شطر الباب، لا زائر يأتي ولا أحد يحاول الإقتراب من الذاكرة!
هل تراها ماتت فلم تعد تتذكر أحداً؟
أهذه الغرفة هي قبرها الذي بدا وكأنه غرفة مستشفى ؟
يقولون إن القبور معتمة ولكن الانوار قوية جدا هنا.
تتساءل: أين أنا وما كل هذا الصمت؟
لكنه ليس صمتا مطبقا فهنالك صوت لدقات قلب يملأ المكان، هل الموتى يشعرون بالنبض؟
هل تعود قلوبهم للنبض بعد أن تتوقف ليمارسوا حياة جديدة بقلوب صالحة للتمرد؟
قلوب ؟ إن هذه هي الكلمة المشكلة، فقد كان آخر ما تتذكره ألم شديد أصاب قلبها وبدأ النبض بالتراخي إلى أن أغلقت عيناها قبل أن تنتبه على بياض هذه الغرفة.
كان معها على الهاتف يوبخها، ويسوق إليها الشتائم التي لم تعد تتذكر منها شيئا كصورته التي غابت تماما واسمه الذي بدا وكأنه صعب ومن المستحيل تذكره..
من هو هذا الرجل الذي تتذكر أنه شتمها وأنه سبب لغيابها عن النبض وربما عن الحياة ؟
نسيته ولم تعد تتذكر منه شيئا عدا بياض ماكان يرتدي، و.........
تتذكر... لقد ضربها !
تتحسس وجهها، رقبتها، وتنظر إلى ذراعا من تحت الأبيض،،
لم يكونا على الهاتف إذا، كان معها وما تزال آثار الضرب على يدها ورقبتها وأسفل وجهها !
تتذكر،، نعم أتذكر الآن اسمه، وصفته ، وبياض ثيابه ، وبياض شعره وبياض روحه التي كانت تعتقد...
البياض إذا يعاود غزوها، بياض القطن الموضوع بلامبالاة على ظهر كفها يجعلها ترغب في رميه ، لكنه المصل مثبت به ما يجعلها تتراجع عن الفكرة!
أخيرا ... إنها قطرات دم تغطي القطن ، وتتناثر على رقبتها..
تستلم للنوم وصورة بياض ملابسه تغزو أهدابها.
يدوي الجهاز الموضوع قربها يعلن عن حالة طوارئ جديدة.

الاثنين، 26 مارس 2012

بين عطرك والبحر



لأنكَ مررتَ بشاطئنا صباحاً، آثرتُ أن أبحثَ عنكَ بين ذرات رمله الناعم وتحت الأصداف التي تملأه مساءً..

أحاول إحصاء خساراتي وأنا أذرعه بحثاً عن طيفكَ الذي لابد وأن يكون المكان قد احتفظ به؛ ليكون جسراً يوصلني لقلبك الذي تمنَّع عليّ..

أبحثُ عن عطركَ في الموج، أحاول لمسه،، لكنه يفرُّ مني من غير مقدمات، تماماً كرحيلكَ المباغت الذي قررتَه بنفسكَ من دون الإلتفات لوجعي الذي لا تكفي لقياسه كل درجات رختر الألم..

علمتني قطراتُ الماء التي كانت تتعثر بأصابعي كلما حاولت اصطياد عطركَ أن الصيد لا يحسنه إلا من لا قلب له، وأن العطر قد يرحل من المكان لكن الذاكرة تبقى رهينته بالمقدار الذي كنتُ قريبة منه ذات بياض..

أمرُّ بترابٍ مشيتَ عليه صباحاً حافيةً إلا من حنيني إليك،،

أتنهدكَ..

أتنفسكَ..

أناديكَ همساً ...

لكنك تأبى الإجابة.. برغم سماعك النداء..

أحملُ خيباتي، ألملمها، أنتقيها بعناية بعد أن نثرها رحيلكَ مع الموج والريح،،

أعودُ أدراجي إلى بيتي وحيدةً، لا شيء معي سوى قطرات ماء علقت بيدي، وصوت الموج يغريني بتقبيل صورتك على شاشة هاتفي المتنقل الذي شهد كل محادثاتنا واحتوى رسائلنا النصية،،،

أعودُ وأتنفسكَ وجعاً،، وكلما حاولتُ إحصاء دمعاتي التي سكبتها حزناً على فراقك، تخرج من بين الأصداف التي زينت أصيص شجرة البرتقال في مدخل بيتي..

أراكَ بابتسامتكَ التي أحب، وبصوتكَ الحنون الذي طالما منحني أملاً لم يستطع غيرك زرعه في قلبي.. لأنهم لم يلحظوا حالات يأسي..

قلتُ لك سابقاً أن تلك الأصداف التي أهديتنيها ذات بحر، هي عمري قبل معرفتكَ،، لكنني أكتشفتُ أنها عمري الباقي من دونك..

أتهاوى على سريري كما يتمايل الموج على الشاطئ،،

أغمض عينيَّ ،،

لكنه الرعد،، يعود ليقلقني في وحدتي..

تعلم تماما أنني أخاف الرعد وأحتاج لحضنكَ كلما علت زمجرته..

أتوسلكَ حناناً،،

أرجوكَ أماناً ،،

أنتظركَ قبلة من بياض،،

لكنكَ تغادر بصمتٍ كعادتكَ، وأنتَ الذي لم تلتفتْ لحاجتي إليك..

تغادر هذه المرة، لكنكَ لا تنسى أن تأخذ معك صديقي الذي طالما كان لي ملجأ وحنان،،

تغادرني... وتأخذ معك بحري الذي أحب بعد أن صار مرتبطاً بطيفك وهو الذي كان سيد الحضور حين أزوره..
تغادرني وقد خلَّفت لي بقايا أصداف
وحفنة من تراب،،
ورائحة ...
ودمعة حنين..