الاثنين، 16 أغسطس 2010

سوسن دهنيم .. تجربة في مهب المعادلات الصعبة




أجرت الحوار .. هناء مرهون

تُلقي بشيءٍ من طرف ذاكرتها نحو الوقت، وتفتح للحبر مواسير الدهشة والخيلاء النصية الرائعة.. موسيقى ومعاني ظهرت في بداياتها الأولى بعنوان (غائب ولكن..) ثم تطورت إلى (قبلة في مهب النسيان) رصيد هائل من الكلمات وأمسية فردية واحدة في بيت الشعر البحريني تحت التأسيس وخطوات تنبئ عن ديوانٍ جديد ينتظر حقه من الخروج.. لا تزال سوسنةً تحت ظلال الحرم الجامعي... في البدء كانت تعكف على دراسة المحاسبة.. ثم انطلقت برغبة التحويل إلى تخصص اللغة العربية ليكون نصيرها وحليفها في التجربة الشعرية الواعدة بمليون قنديل..
" مررنا بجوارها وكان لنا من الحديث فرصة! "

• هناكَ من يسأل سؤال، لا أدرى مدى انتفاء جريمة السذاجة عنه، لكن هناك من يسأل الأديب أو الشاعر عن الوقت الذي ابتدء فيه الكتابة، لن أكون أقل سذاجة من السائل السابق لكني سأطرحه لكِ بطريقة أخرى، متى شعرتِ أنَّ قلمكِ شَرعَ بالإنطلاق؟
أعتبر بداية كتابتي هي في بداية طفولتي، كنت أجلس مع جماعة الأصدقاء... نتناول سرد الحكايا والقصص.. البطة والأرنب والقطة... كنا نلهو بالأقلام والدفاتر.. في ذلك الوقت شعرت بأن القلم صديق عزيز.. وبدأت أشعر بتميزي على زميلاتي في الكتابة، كان أول شيء نشرته هو قصّة عن فلسطين كتبتها وأنا تلميذة في الصف الخامس الابتدائي باسم مستعار.. ثم تحولت الرغبة من كتابة القصة إلى الخاطرة ثم إلى الشعر... كان لمدرستي الغالية فاطمة التيتون فضلاً ومِنّة لا أنكرها أبداً فقد فتحت عيني على الأسماء الكبيرة التي أثرت في أسلوبي كثيراً مثل الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد والشاعر أدونيس.

• ماهي بداياتكِ مع النشر ..؟
لم أكن أريد لقصائدي أن تنشر في صفحات الملتقى، كنت أطمح إلى الصفحات الثقافية المتخصصة، لكن وللأسف الشديد لم أستطع النشر لأن الصفحات الثقافية مرهونة بأسماء معينة أو أسماء معروفة ومشهورة.. لهذا لجأت إلى المواقع الأدبية في الإنترنت والمجلات العربية.
• قلتِ في (غائب ولكن ..) أنهُ أول مولود أكدَ أنَّ القلم حبيب.. والحرف صديق لا يمكن استبداله.. ماذا يعني لكِ هذا الديوان ؟
يقول البعض انَّ لغة هذا الديوان لغة متذبذبة.. أنا أقول أنَّ لهذا الديوان مشاعره المتذبذبة.. التي من المفترض أن تكتب بهذه الطريقة ولا تكتب بطريقة أخرى..، لا أدري لكن بطبيعة الحال أعتقد أنّ هذه التجربة كُتبت في مراحل متذبذبة أصلاً، هناك نصوص كتبتها وأنا في الإجازة التي تفصل بين المرحلة الإبتدائية والإعدادية.. كان عمري حينها 14 عاماً وتجدين أيضاً في نفس الديوان قصائد كتبتها في المرحلة الثانوية ..
• لكن قارئ النصوص الموجودة في هذه التجربة لا يشعر بحجم هذه الفترة الزمنية التي تشيرين إليها ..؟
ربما لأن قراءاتي في تلك الفترة كانت محدودة .. فالقراءة والاحتكاك له مردوده الكبير والإيجابي في تكوين التجربة ومنعطفاتها.. لكني في نفس الوقت أعتز بهذه التجربة كثيراً لسببين رئيسين أولاً لأن هذه التجربة كُتبت في مرحلة مبكرة جداً، وثانياً لأنها البداية التي شققت منها طريقي..
• وعلى أساسها تستطيعين تقييم تجربتك الأولى وخوض التجارب الأخرى بمزيد من المسؤولية ..
بالضبط، استفدت من هذه التجربة كثيراً ، واستفدت مما نُشر عنها كثيراً، مازلت أتذكر ما كتبه ( جعفر حسن) عن هذه التجربة، كان يقول: ان هذه التجربة لو تم تبسيطها أكثر لكان الفصل بين الشعر والخاطرة فيها صعبٌ للغاية.. كان أثر هذا الرأي قويٌ جداً عليّ، بدأت في التفكر مجدداً في طبيعة تجربتي، شعرت برغبة قوية تشدني نحو تطوير ما أمتلك.. ، طبعاً في الفترة التي فصلت بين الديوانين الأول والثاني.. كنت أكتب كثيراً كان عندي نصوص مُطورة كثيرة لكنها لم تُنشر لأني كنت أعتبر هذه التجربة كبرى تجاربي..
• ماهي الثغرات التي اكتشفتها في تجربة (غائب ولكن) الآن، وبعد أن قطعتِ شوطاً لا بأس به واستطعتِ تجاوزها في التجربة الثانية؟
في البداية أعتقد أن هناك الكثير من النصوص في تجربة (غائب ولكن) كانت أقرب إلى الخاطرة منها إلى الشعر، هناك نصوص شعرت أني لو قمت بتبسيطها أكثر لأصبحت خواطر وفي المقابل هناك نصوص أشعر أنها خاطرة أساساً وليست شعر على عكس تجربة (قبلة في مهب النسيان) أشعر أنها نضجت أكثر. من جانبٍ آخر لا أخفي أني كنت متأثرة جداً بالآخر..

• نعم، لا سيما د. مانع سعيد العتيبة وآندريه جيد..
نعم، لقد كنت آخذ النص حرفياً.. ما عدا الكلمات والعبارات والأفكار.. كنت آخذها وأبلورها بشكل ثاني، كذلك كنت متأثرة بقاسم حداد كثيراً خصوصاً في القصائد التي كتبتها ما بين الديوانين.
كذلك من الثغرات التي وجدتها في تجربة (غائب ولكن) هي طول العبارة وطول الفكرة أو التعبير عن الفكرة.. وقد اختلف ديواني الثاني في هذه المسألة فقد أصبحت العبارة مكثفة وقصيرة ومكتنزة باللغة.. "يعني تخلصت من مشكلة التطويل"..
• أعتقد أن معجمك الشعري بدأ يتشكل بكل تقاسيمه الرقيقة والبريئة..، زهرة برية.. صبّار.. ليلك أشياء نرجسية وروائح معطرة شفافة وكما تقولين ناصعة السواد، ما مدى تطور هذا المعجم الشعري في قصائدكِ الجديدة؟
بصراحة.. أشعر أن هناك مصطلحات دخلت وأخرى شُطبت وعبارات أخرى شعرت أني كتبتها كثيراً قمت بشطبها وإلغاءها .. فقد دخلت في أسلوب جديد ومختلف، والمشكلة في الأسلوب الجديد أنك حينما تتطور يكون من الصعب أن تعود لمستواك السابق لأنك بهذا ستكون قد ألغيت هذه المحصلّة لهذا عليّ أن أخرج من الأنا وأخرج من الموضوعات القديمة...
• لا أعتقد أن الموضوعات سوف تتغير جذرياً، بل أشعر أن الطرح لهذه الموضوعات هو الذي سيقع ضمن دائرة التغيير بكل ما يعنيه الطرح من تشعبات، خصوصاً في النصوص التي تحتمل الكثير من الدلالات والنصوص المشبعّة باللغة .
لا أدري، لكن شعوري بأني محاصرة أو غير منطلقة في الموضوعات هو سبب التخوف المختلط مع شعور الفرح.
• يبدو من خلال حديثك انكِ تضمرين مجموعة جديدة وكبيرة عنا.. وهذه حقيقية!
نعم ، عندي ديوان جديد جاهز للنشر، لكني لا أفكر بنشره في الفترة الحالية.
• لماذا؟
السبب وبكل صراحة ، هو اعتقادي أن ديوان (قبلة في مهب النسيان) لم يأخذ نصيبه أو حظه من المناقشة حتى الآن.. أريد أن أعطي لهذا الديوان فرصة أكبر في الظهور.
• هناك مسألة نفسية تحاول أن تكون قضية ذهنية في عقل الكاتب ألا وهي.. مسألة الكاتب الغائب أو المغيَّب في لحظة النص الرهيبة.. من الذي يكتب، الشاعر أم لحظة الكتابة المتمثلة في ذات الكتابة ؟
أعتقد أنها عملية مشاركة فالقصيدة تريدك أن تكتبها وأنت تريد أن تكتب القصيدة.. لم تكن العملية متطرفة نحو طرف معين بل هي عملية متداخلة ومشتركة ولا يمكن الفصل فيها.
• ماهو تقييمك على تجارب الشعراء من جيلك أو الشعراء الذين ارتبطت اسماءهم بنفس الفترة الزمنية.. حسين فخر، منى الصفار، علي الجلاوي، عبد الرضا زهير.. سيد جعفر وغيرهم...
أعتقد أن تجاربهم رائعة جداً وجميلة، وتجارب قوية لكني صُدمت بشاعر واحد فقط كان لمعرفتي به صدمة... تساءلت في نفسي عن الشيء الذي جعله غائباً عن القائمة التي كنت أتابعها وهو يحمل كل هذه الموهبة !! لا أخفي أني سمعت عنه بأنه شاعر جيد لكني لم أتوقع حجم الصدمة التي أصابتني بعد القراءة له وكان هذا الشاعر هو حسين فخر.

• كانت لكِ مع هذه المجموعة من شعراء جيلك طموحات مرتبطة بإظهار صرح ثقافي آخر يوازي صرح أسرة الأدباء وهو بيت الشعر البحريني، ماهو محل بيت الشعر البحريني وأين هو ؟
ببساطة بيت الشعر البحريني اندثر، المفروض أنه ابتدء في مشاريعه، لكن كما يبدو أن هناك في تلك الجماعة المؤسسة من يختلق الظروف لنفسه ولمشاغله وينأى عن بيت الشعر، فبعد كل التحديات التي طرحها هذا المشروع أراه الآن ينسحب بطريقة مشينة للغاية..

*من برأيكِ المسؤول عن الإحباطات التي أصابت بيت الشعر..؟
في البداية بيت الشعر لم يكن خارجا بصيغته الشرعية للآن لم نحصل على موافقة من وزارة الإعلام، وأعتقد أن الإحباطات ليست من هذا الطرف وحسب بل لأننا نُكيف الظروف لتكون ضدنا، أضيفي إلى ذلك أن هنالك بعض الأشخاص حاولوا تحويل المشروع الأدبي هذا إلى مشروع أيديولوجي أرادوه صوتا لدواخلهم وتوجهاتهم الدينية والسياسية على ما أعتقد ولهذا انسحب الشاعر جعفر الجمري القادم من الإمارات والذي قالها علنا: لن أتورط في مشروع أيديولوجي كهذا!

• يبدو أنكِ بنيتِ عالمك في بيت الشعر وعولتِ عليه الكثير، هل أنتِ في طريقك لتأسيس عالمك الخاص عالم كلمتكِ الخاصة بكل طموحاتها وجموحها وبمقابل كل هذه التحديات الموجودة ؟
أعتقد انني بدأت أشعر أنه من المفترض الا يسير الشاعر على منهج معين لأنه في نهاية المطاف سيكون مكررا، أتمنى أن يكون لي عالمي الخاص في الكتابة ولازلت أعول على بيت الشعر وسيعود بقوة ان شاء الله.
• تتميز أشعاركِ بتسلسل قصصي، موسيقى داخلية.. صور وتراكيب.. تخص قصيدة النثر..
عندي تعليق على تسمية الشعر الحديث بقصيدة النثر.. أنا ضد هذه التسمية كيف تكون قصيدة وتكون نثر!!
• هناك من يرد على هذا بالمقابل ويقول أن قصيدة النثر ماهي إلا مقطوعة نثرية تختلف في إخراجها على الورق عن النص القصصي أو الخاطرة، وتكتب على شكل أسطر..
لا، أعتقد أن هذا الكلام خاطئ بكل أوجهه، لأن القصيدة الحديثة تتميز بلغتها وكلماتها وصورها وموسيقاها الداخلية..
• هل وجدتِ نفسكِ في قصيدة النثر أم أنكِ تطمحين إلى شيءٍ آخر.. يسكن في هواجس قلمكِ ؟
.. أشعر أنني تمكنت من التعبير عن نفسي من خلال قصيدة النثر، شعرت بقربها مني وقربي منها.. وأتمنى أن أحقق المزيد فيها، وأظن أن هذه القصيدة تفتح الفسحة للكتابة أكثر فأكثر..
• هل نلمس هذا في ديوانكِ الجديد؟
.. في تجربتي الجديدة..أشياء كثيرة مختلفة ربما يُصدم من يقرأها، لأني أشعر بهذا فعلاً، أشعر بالإختلاف فيها من كل الجوانب، من حيث المضامين، والمعجم اللغوي، وطريقة الكتابة.. كلها جاءت بنمط مختلف..
• أنتِ بهذا تشعلين حماستنا ولهفتنا لقراءة ديوانك الجديد ..
........... ( تبتسم )
• ماهو حلمكِ الذي تؤسسين له ؟
أتمنى أن يكون لي صوتي في الشعر.. وأن لا أكون مكررة...



6 نوفمبر2002 - الوسط

سوسن دهنيم: لست على خلاف مع «الأسرة» لكنها لم تعد تطرح شيئاً مغرياً






لايعنيني اسم النص الذي أكتب.. يكفيني اعتراف شعراء كبار وإعجاب زوار «لوديف» وقاماتها

الوقت - حسين مرهون:

ليست ألفينية تماماً. ذلك أن أول أعمالها صدر في أواخر التسعينات، وكان تحت اسم ''غائب ولكن''. لكن مع ذلك، حين راح التسعينيون قبل أعوام قليلة يرسمون مسودة تصنيف إجرائي للأسماء التي يمكن إدراجها فعلاً ضمن تجارب هذا الجيل، أهملوا اسمها تماماً. (سوسن دهنيم). وعلى أي حال، فالقضية لاتمثل أولوية بالنسبة إليها. قالت ''إذا كان محمود درويش يقول جدي أبو الطيب المتنبي فعن أي تصنيف جيلي نتحدث''. أثارت مشاركتها في مهرجان ''لوديف'' بفرنسا العام 2007 كثيراً من الأسئلة. قرأت ما نشره محرر ''الوقت'' على لسان نائب رئيس أسرة الأدباء والكتاب فهد حسين في حينه. ولدى سؤالها علقت معترضة ''ليس صحيحاً ما قيل عن أن الدعوة أتت من طريق الأسرة''. أغلقت قوساً وفتحت آخر. فكان آخر دواوينها ''كان عرشه على الماء'' الذي أصدرته مطلع العام الجاري .2008 ''الوقت'' حاورتها، وفيما يلي مقتطفات:

 تبدو علاقتك مع أسرة الأدباء والكتاب ''ملتبسة'' على أكثر من مستوى. من احتضان فانسجام إلى فتور أشبه بالقطيعة. ما الذي يحدث؟

- علاقتي بالأسرة تمر شأنها شأن أية علاقة بعدد من الظروف، بالمد وبالجزر، لا لشيء سوى ظروف الحياة. كنت منسجمة مع أعضاء الأسرة ومازلت، ولكن المشكلة أنني الآن مقلة في حضوري في كل المحافل الثقافية والتجمعات الأدبية والفنية بسبب ظروف العمل والأسرة.

 أنت عضوة ''خاملة'' في أسرة الأدباء والكتاب. بحكم التجربة، لو طلبت منك تحديد ثلاثة عوامل تجعل من الأسرة كياناً هرماً غير قادر على التأثير في المشهد الثقافي بمستوىً يلائم موقعها وتاريخها. فماذا ستقولين؟

- لِمَ تفرض مسبقا أنني لست على وفاق مع الأسرة؟ ولِمَ تفرض أنني أرى أن الأسرة كيان هرم ؟ كل ما هنالك أنني لا أرى أنها تقدم شيئا مغريا يستدعي الحضور الدائم في كل برامجها الثقافية، ولا أرى أن الجلسات غير الرسمية مع الأصدقاء هناك شيء واجب؛ إذ بإمكاني رؤية أي صديق من أعضائها خارج جدرانها ومناقشته في شتى الأمور والموضوعات، وهذا ما يحدث في الوقت الحالي وما الأسرة في النهاية إلا هذه الأسماء، الخلاف الموجود بيننا هو خلاف آني بشأن الأسماء المشاركة من الخارج والداخل في مهرجانات يوم الشعر العالمي - وهنا لا أعني مشاركتي أو عدمها- وهذا الخلاف الآني سببه مستوى الأسماء وتكرارها، وهو يتكرر كل عام إذ أنشر رأيي علانية في الصحافة ورغم ذلك أحضر بعض الأمسيات لبعض الشعراء الذين أجد في شعرهم ما يعجبني، ولم يوجه لي أحد من الإدارة عتابا بشأن ما أكتب، بل على العكس كانوا يسمعون رأيي بل ويوافقني بعضهم الرأي لكنه يفضل الصمت.

فهد حسين لم يقل الصحّ

 أسمع قيلاً وقالاً متكرراً منذ مشاركتك في مهرجان ''لوديف'' بفرنسا .2007 هل يمكن أن تدلي بشهادة أخيرة في الموضوع نغلق بعدها هذا الباب؟

- الجميل في مهرجان لوديف أنني دعيت على حين غرة من قبل إدارة المهرجان نفسه لا من قبل جهة بحرينية رشحت اسمي له، أو بترشيح من الأسرة كما كتبت أنت على لسان الزميل فهد حسين في أحد أخبارك المنشورة في ''الوقت''، والأجمل أنني شاركت في الاحتفال بمرور 10 أعوام على المهرجان وبتبني اليونسكو له باعتباره مهرجانا عالميا مميزا، مع نخبة من ألمع الشعراء العرب والأجانب، رأيت هناك الشعراء الذين كنت أقرأهم مذ تفتحت عيناي على الشعر الحديث أمثال: سركون بولص يرحمه الله، محمد بنيس، عباس بيضون، خيري منصور، نزيه أبوعفش، سعدي يوسف ووديع سعادة وغيرهم ممن اكتشفت شعريتهم الرائعة هناك كالجزائري أبوبكر زمال والعماني زاهر الغافري، وكنا خلال عشرة أيام نتسكع على النهر بين الخيام المعدة كمطاعم والأخرى المعدة لاستقبال الشعر، نجوب بقاع المدينة القديمة لنتعرف على معالمها الجميلة التي كان لها الأثر الكبير على تجاربنا في التعرف على بعضنا البعض، نغني، نلقي أشعارنا فنؤجل بعض الحفلات عن مواعيدها بسبب أصواتنا العالية التي تجعل البعض يتحلق حولنا، هؤلاء الشعراء العرب والأجانب الذين نحدثهم تارة بالإنجليزية وتارة يحدثوننا بلغاتهم كما حدث مع ''فينس فبري'' الشاعر والمغني المالطي الذي فاجأنا بالتقارب الكبير بين لغتنا العربية ولغتهم المالطية، جعلوا من هذا المهرجان أكثر من رائع، وقد تعرفت على عدد من الأجواء التي كنت أجهلها، فأن ألقي شعرا على النهر وأرى الجمهور جالسا على الكراسي الموضوعة وسط ذلك النهر وأرجله في مياهه، كان مفاجأة بالنسبة لي، أو أن أذهب للاستماع لفينس على سبيل المثال في أحد البيوت القديمة المبنية على الطراز العربي تقريبا لهي الدهشة الأكبر إذ عرفت أن الشعب يتخلى عن منازله ويجعلها قاعات لإنشاد الشعر أو سكنا لهؤلاء الشعراء الأغراب الذين أتوا ليتحفوا مديتنا بالشعر، أن أمشي وأرى بعض الفرنسيات يوقفنني من أجل الحديث معي عما سمعوه من شعر أعجبهم مني، وبواسطة أحد الأصدقاء الذي يترجم لي الفرنسية تارة أو بواسطة ما تعرفه بعضهن من الانجليزية تارة أشعر بالفخر كوني استطعت أن أبرز من خلال مهرجان فيه كثير من القامات الشعرية الكبرى من خلال حديث نسوة أو رجال لا أعرفهم يوقفونني ليهنئونني على ما قدمت من شعر، ولا أقول هذا نرجسية أو استعراضا للعضلات، لكنها متعة التواصل التي شعرت بها حقيقة، فأنت تكتب ليقرأك الآخرون، الكتابة هي الشفرة التي تلامس الحس الإنساني على اختلاف منابته وبيئاته، في لوديف شعرت أحايين كثيرة أن الشفرة التي تعزف على وتر المشترك البشري أكثر ولوجا إلى القلب واستقرارا في العقل. كل هذا إضافة للجلسات النقاشية التي كنا نقيمها عفويا مع بعضنا نحن من اخترنا البقاء معا من بعض الشعراء العرب والشعراء: المالطي، الإيراني، أحد الفرنسيين والايطالي، نتحدث عن الشعر والعادات في كل بلدة هذا الأفق الواسع جعلني أخشى على نفسي من التقاعس والمراوحة في مكاني شعريا فوجدت نفسي بعد الرحلة أشد نقدا لما أكتب وأكثر اهتماما بالأدوات وبالمشترك الذي تحدثت عنه، ليس بغية إنتاج شعر يلقى أذنا، بقدر ما هو تورط في هم الوصول إلى ذات أجمل، صرت أنتبه أكثر إلى ضبط اللغة أمام المخاض اليومي الذي تعيشه الذات الإنسانية.

كل الدعوات أتت «دايريكت» عدا واحدة

 أسمع أيضاً عن تحفظات لديك بخصوص نظام توزيع دعوات التمثيل الخارجي في الأسرة. هل أفهم من ذلك أن قضيتك ليست أكثر من دعوات تمثيل وتذاكر سفر وقسمة كعكة؟

- تنتابني رغبة بالضحك عندما أسمع سؤالك عن الدعوات والكعك، بالمناسبة أنا أفضل الكعكة التي أصنعها بيدي على تلك التي اشتريها من السوق.
أرى أن التعامل مع الشعر والشغل في الثقافة دائرة أوسع بكثير من الحصص والتفكير في توزيع الكيك، لكن أجدني مضطرة للخوض في تفاصيل - أجدها غير مهمة - علّي أن أزيح تهمة غمزت بها في سؤالك إذ سافرت إلى الأردن وسورية (كانت سفرة واحدة) عن طريق الأسرة كوني عضوا إداريا فيها مع كل من الأصدقاء: يوسف الحمدان، جمال الخياط، إبراهيم بوهندي وحمدة خميس، أما بقية الدعوات التي وصلتني فكانت دعوات شخصية تقدم لي باسمي، وغالبيتها من جهات لا أعرف فيها أحدا كمهرجان لوديف، جمعية الأدباء العمانية، رابطة الخرجين في حمص، واتحاد الأدباء في حماة، كلها جهات لم أكن أعرف فيها عضوا واحدا قبل الدعوة، وكان من المفترض أن أسافر منذ مارس الماضي ضمن وفد لعمان عن طريق الأسرة أيضا ولكن السفرة أجلت لأسباب مجهولة إلى أجل غير مسمى. من المؤسف أن تضطر لتعداد دعواتك كالأطفال لتثبت أنك لا تبحث عن حصة من فروة الدب، وكأن الدعوات باتت هدفا لذاتها.

 كيف تردين على من يرى أن النص الذي تكتبين - فففففف قد سمعت من يقول ذلك فعلا - مجرد فيض ''خواطر'' ليس أكثر. خالٍ من أي تكنيك. أي لغة. أية لعبة. عارٍ من أي شيء؟

- ما دام الآخر تحدث إذا فهذا الخالي والعاري أثار فيه شيئا، وهذا يكفيني وإلا لما كنت لتجري هذه المقابلة معي!

أكتب قصيدة النثر... وكفى!

 انطلاقاً من ذلك. اسمحي لي أن ألقي عليك سؤالاً وقحاً كنت قد ألقيته على أحد زملائك الألفينيين. ما اسم النص الذي تكتبينه. أسأل عن ''الاسم'' لأعثر على مفتاح أمر به إلى ''المسمى''؟

- نصا نثريا وكفى! على رغم أن المسمى لا يعنيني أبدا، المهم أنني أخذت اعترافا من شعراء كبار وناس بسطاء، أن ما أكتبه شعر (أو شيء إن أردت إثارة) جميل، لا لأنني على علاقة بهم أو معرفة بل لأنهم قرؤوا ما أكتب عن طريق الإيميل أو الصدفة أو أنهم سمعوني في مشاركة ما.
وإذا كنت مهموما بالاسم فلتخترع له اسم ''نص ألفيني'' مثلا على نمط ''شعراء ألفينيين'' وسيلقى هذا الاسم رواجا، وخصوصا أن الحديث الأزلي عن صراع الأجيال شعريا ما زال قائما، والمهاترات مستمرة: ''من يكتب ماذا'' أو ''من يتأثر بمن'' و''هذا جيل ينقرض منه الشعر'' .... إلخ
هل يعقل أننا ما زلنا نراوح في الزمان ذاته والجدل ذاته بشأن الأنواع الأدبية والحدود الصارمة التي وضعها النقاد للفصل بينها؟ وهل يعقل أننا مشغولون كل هذا الانشغال بمن كتب قصيدة التفعيلة أولا: السياب أو الملائكة؟ وهل كان طه حسين في ''الأدب الجاهلي جادا أم يلقي حجرا في المياه الراكدة؟

دعك من الشعارات الكبيرة

 دائماً ما يطبع كتاباتك متعلقات رجل مفقود. سأكتفي بعناوين مجموعاتك: ''غائب ولكن''، ''قبلة في مهب النسيان''. حتى حين منحته عرشاً فقد أوقفته على قاعدة رجراجة ''كان عرشه على الماء''. هل تعيدين كتابة اللاهوت النسوي في.. إما البكاء على الرجل أو هجائه. أم أن لديك كلاماً آخر؟

- ولكن عرش الله على الماء، هل هو على قاعدة رجراجة؟!
إن استطعت الرد على هذا السؤال بالإيجاب أكون أنا وضعت عرش ''رجلي'' على قاعدة رجراجة!
الحياة يا صديقي هل العلاقة بالآخر والأشياء والأمكنة ولأننا في الشرق أبناء بيئة واحدة لبا يمكن أن ندعي أننا أفضل منها، فإن هذا الآخر هو الجنس الآخر الذي نتقاسم معه الحياة حبا وكرها، شوقا وفقد، موتا وحياة.
دعك من الشعارات الكبيرة مثل '' كتابة اللاهوت النسوي'' فنحن في النهاية نكتب حياتنا، أحلام مستغانمي تقول: ''نحن نكتب عمن نحب لنعلن موته على الورق''، بالنسبة لي أكتب علاقتي بما حولي بتغيراتها الحتمية، هكذا أنظر إلى مجموعاتي الثلاث.

 قرأت لك نصاً تفعيلياً مكسّراً بعنوان ''حنّ لي''. ألا يؤكد ذلك المقولة الشعبية الرائجة من أن جميع الذين توجهوا إلى النثر كانوا شعراء فاشلين في التفعيلة؟.

- هل يمكن القول بهذا المعنى إن الذين يكتبون التفعيلة دائما كانوا عاجزين عن كتابة الشعر العمودي؟
النثر نوع والتفعيلة نوع، وليس أحدهما بأرقى من الآخر، هناك من شعراء التفعيلة من لا يجيد كتابة نص نثري مميز، هي وسائل مختلفة في التعبير يتفاوت البشر في امتلاك أدوات أي منها.
بالنسبة لي، لدي عدد من نصوص التفعيلة المحكمة، أما هذا النص الذي تقصد فقد احتوى عدداً من الأخطاء المطبعية في التشكيل والهمزات سببت الكسر الذي تحدثت عنه، وبإمكانك أن تعود إلى النسخة المنشورة الأسبوع الماضي في ''الوطن'' لتتأكد من سلامة الوزن!!

لست على قطيعة مع التفعيلة

 لا يخفى أمر تأثر النص الذي تكتبين بقاسم حداد. هاهو هذا الأخير يسوق اعترافاً في مقال له منشور في ''الوقت'' حديثاً. قال على لسان ادغار الن بو: ''الموسيقى بأشكالها المختلفة (الإيقاع، القافية والتفعيلة) قيمة في الشعر كبيرة بحيث ليس من الحكمة أبداً نبذها''. متى ستعترفين أنت بهذا الاعتراف أيضاً وتعكفين على إجادة هذا الفن بدلاً من الأوزان المكسرة؟

- إن استطعت أن تؤكد الكسور أستطيع الإجابة عن السؤال، أما بشأن التفعيلة فقاسم نفسه الذي استشهدت به هنا لا يزال يكتب قصيدة النثر. لست على قطيعة مع التفعيلة كل ما في الأمر أنني لم أشعر برغبة في نشر ما أكتبه من نصوص تفعيلة قبل المجموعة التي أعمل الآن على إنجازها والتي تمزج بين النثر والتفعيلة ضمن آلية معينة، ولست مضطرة لأن أسوق لك اعترافا بفضلها.

 انطلاقاً من المفاهيم الرائجة في حقل النسوية. هل يمكن الحديث عن نص نسوي ألفيني - في الجردة: سوسن دهنيم، منى الصفار، فاطمة محسن، وضحى وزينب المسجن - يتوفر على ملامح أو ثيمات من تأثير النوع الاجتماعي. بحيث يختلف عن ذاك الذي ينتجه الذكور؟

- أنا ضد المسميات والتصنيفات، فلا مصطلحك الألفيني ولا النسوي قادر على إقناعي بصحته، وليس هذا مكان الحديث في أمر هذين المصطلحين حتى لا أخرج عن السؤال، ولكن بإمكاني أن أقول إن الأسماء التي ذكرت - باستثناء زينب التي لا يمكنني التحدث عنها لأنني لم أقرأ تجربتها- لا نسق أو شبه يمكن أن يجمعها ضمن تصنيف واحد، هي تجارب ولكل تجربة حالها الخاصة، وفي المقابل هناك اختلاف بين الذكور أيضا من الشعراء ولو أنني قد أرى بعض التشابه بين وضحى وبعض الشعراء وفاطمة محسن وبعض الشعراء أيضا وقد يرى أحد تشابها لي مع بعضهم، وبالنسبة لتأثير النوع فمهما ادعينا عدم وجوده ينفذ من نافذة أو أخرى ليجد طريقه إلى الورق لأن تركيبة الكون ذكر وأنثى وهذا من طبيعة الأشياء وأجد أن الانشغال به نوع من السفسطة.

جدّي أبو الطيب المتنبي!

 هل توافقين زميلك حسين فخر قوله، إن تجارب الجيل الألفيني ليست متشابهة. وإذا وجد ثمة شبه فنفسه ذاك الشبه الذي بينها وبين التجارب التسعينية والثمانينية والسبعينية. أنت مثلاً قد تشبهين قاسم حداد في نفس الوقت الذي قد تشبهين أحمد العجمي في نفس الوقت الذي قد تشبهين فاطمة التيتون في نفس الوقت الذي قد تشبهين أحمد الستراوي. ما رأيك؟

- إذا كان محمود درويش يقول جدي أبوالطيب المتنبي فعن أي تصنيف جيلي نتحدث؟ وهل يعني قول درويش أنه ينتمي إلى جيل المتنبي؟
الشعر والكتابة عموما تعبير عن مرحلة واستمرار للمراحل السابقة شئنا أم أبينا، استمرار نحو الأفضل أو الأسوأ، هذه قصة أخرى يحكم عليها التاريخ فيسمي فترة ما مرحلة الازدهار وأخرى عصر الانحطاط. وهذا في النهاية انعكاس لمجمل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط بهذا الجيل أو ذاك.
هناك بعض التشابه بين بعض الأسماء، ليس على نطاق الجيل الواحد (على حد تعبيرك)، بل على نطاق الموجود، فأحيانا تقرأ نصا لفاطمة محسن على سبيل المثال تجد فيه رائحة علي الجلاوي وأحمد العجمي وبعضا من علي عبدالله خليفة، وأحيانا تقرأ نصا لمهدي سلمان تجد فيه بعضا من غيره، بل وأحيانا تقرأ نصا لعلي الجلاوي تجد فيه روح درويش أو مظفر، وآخر لقاسم تجد فيه روح أحد المتصوفة وهكذا، المشكلة أننا نقرأ الأخير لنتذكر الأول مع أن اللغة ليست حكرا على أحد، فعلى سبيل المثال إصبع الاتهام تلاحق كل من يستخدم لفظ ذئب الذي التصقت بقاسم حداد مثلا، الكلمات واحدة والإبداع يكمن في توظيفها.

 بنظرك، هل تعبر تجربة الحداثة الشعرية عند الجيل الألفيني عن قيم وأفكار حداثية أيضاً. أم أن الأمر عبارة عن استهلاك لتقنيات الحداثة والنص الحديث ليس إلا. أي من دون جملة القيم والأفكار التي تستحثها. الأمر الذي يصلح معه نعتكم مجازاً بما كان نزار قباني قد تحدث عنه ذات مرة ''لبستم قشرة الحضارة.. والروح جاهلية''؟

- هل هي مشكلة الجيل الألفيني ''مع تحفظي على التسمية'' فقط؟ إنها إحدى أزماتنا العربية إذا شئت، التناقض بين الشعار والممارسة، كم من داع إلى تحرر المرأة يضطهدها في بيته! وكم من منتصر للديمقراطية يمارس أبشع أنواع الاستبداد في حدوده الضيقة! والشاعر هو نتاج هذا الواقع ويملك حاسة بضرورة تغييره.
نحن نعيش في مجتمع لم يحسم قضاياه، هل يمكن أن تقول لي كيف يعيش المرء حداثيا؟!
هل اتفقنا على معنى الحداثة؟! إذا كنا لم نتفق عليها نصا فهل سنتفق عليها أسلوب حياة؟ هل يعيش المرء جسدا في بيته وفكرا في أوروبا مثلا؟
وهل على الشاعر أن يكون طرفة بن العبد لغة وايللوار في البحث عن الحرية ؟ وهل استطاع نزار قباني إلا أن يكون الشرقي الذي لا يرضى إلا بأدوار البطولة؟
لذا بالنسبة لجيلي، لا يمكنك أن تحكم على مجموعة كاملة بالحكم ذاته، وتضعها في سلة واحدة، البيئات مختلفة والتكوين مختلف، والخلفيات مختلفة وبالتالي فإن الرؤى والأفكار مختلفة.

في كل «جيل» هناك الغث
 هناك تهمة توجه إلى شعراء الألفية الجديدة، وهي أن شعرهم خالٍ من لحظات تأملية كبرى. العواطف أقل إيغالاً، الغنائية سريعة، الاستشراف عابر، صحيح لم تعد هناك أيديولوجيا كبيرة مستحكمة لكن الصحيح أيضاً أن هذا لم يسر لصالح رؤية جمالية مبتكرة تعوض عن استحالة الأيديولوجيا. ما يعني أنه ليس ثمة همّ حداثي، أو تحديثي، في الشعر الذي تكتبونه. إنما كتبوا وتكتبون... هكذا تمشي العجلة. ما رأيك؟

- هل من العقل أن نصم ''جيلا'' كاملا بهذه البساطة ؟ في كل ''جيل'' هناك الغث والسمين، أليس من العدمية بمكان أن نقول أن غناء هذا الجيل هابط، وشعره خاو وإبداعه معطل وصحافته مستأجرة؟ إذا لماذا نكتب وتكتب؟ لماذا وجدت المنتديات والصحف؟ فلنكسر أقلامنا جميعا ولنجلس في البيوت.
هناك إنتاج يقدمه هذا '' الجيل''، فلنضعه على طاولة النقد، ولنمحصه، الرديء سينتهي حتما.
سقوط المقولات الأيديولوجية لا يعني سقوط كل شيء فعندما سقطت شيوعية زياد رحباني على سبيل المثال مازال ينتج ألحانا تشكل نقاط علاّم لتمييز الغث من السمين، فكما قالت فيروز في إحدى مسرحياتها: ما حدا بيسقط إلا إذا سقط من جوا''.
ثم هل تعتقد أن كل الشعر السبعيني على سبيل المثال كان مليئا بالغنائية والعاطفة؟ وهل تعتقد أن من تخلى عن إيديولوجيته من ذات الجيل لاحقا حافظ على امتلاء ما يكتب قبل تخليه عنها؟ وهل ترى أن جميع شعراء الأجيال السابقة ( إن جاز هذا المصطلح ) كانوا حداثيين ومحدثين؟ لم من الواجب على كل أبناء هذا الجيل أن يكونوا مثاليين وما إن يتخلف أحد عن الركب تساق التهم لكل الآخرين

كان دفتري في يدي.. رمزاً على هذا التمرّد.. سوسن دهنيم:


سأقول شيئاً.. وليعتبره الجميع تحريضاً
الأيام - رؤى
ثقافة - مهدي سلمان:
ترى الشاعرة سوسن دهنيم بأن التجربة الشعرية الجديرة بالاستمرار قادرة على أن تحدّد خياراتها في القراءة، وقادرة على تحسّس وعلى التعرّف والتفريق بين أدواتها الشعرية والإبداعية، وبين أدوات الشعراء الآخرين، وقادرة أيضاً على تجاوز الوقوف عند أدوات هؤلاء الشعراء، وترى أن التقاطع مع تجارب أخرى يزال من خلال أن يعيد الشاعر التفاته للنص وللقصيدة مرات من أجل أن يتنبّه لهذا الذي تقاطع معه في اللا وعي.
وترى دهنيم أيضاً أن الصورة قد أزاحت عن كاهل اللغة شيئاً مما قد يعيقها عن تأدية مهامها الفعلية والحقيقية، وأن الصورة أخذت جانباً من هذا العبء عن الشاعر، لتمكّنه من أن يلتفت إلى مهامه الفعلية، لذلك فإنه كلما كان الشاعر مقتدراً كلما استطاعت اللغة معه أن تتوسّع وأن تنفتح.
وفي حديثها عن أسرة الأدباء والكتاب ذكرت الشاعرة حكايتها مع هذه المؤسسة، والمتخيّل والواقعي في السرديات التي تُحاك حول هذه المؤسسة، وتذكر ارتباطها بهذه المؤسسة وكافة الفعاليات الثقافية في البحرين، غير أنها ترى أيضاً أن على هذه المؤسسات أن تفعّل العلاقات من أجل تطوير التجارب الشبابية.
وفي حوارنا مع الشاعرة الشابة تحرّض الشاعرة على »لا« قادرة.. وتستطيع أن تفعّل من دور الحركة النسوية في المشهد الأدبي في البحرين.
في مشروعي الثالث..
توقفت عن القراءة

* كيف يمكن أن نرصد اللحظة الشعرية لدى تجربة تتشكّل بينما تحيط الأصوات العالية والمختلفة والمتباينة بها، وكيف كانت سوسن دهنيم الشاعرة التي تتشكّل تجربتها تنظر إلى زخم الأشكال والتجارب الشعرية في ما يسمّى عصر المعلومات؟

- إن أي تجربة تشتعل في داخلها تلك الجذوة التي تُسمى جذوة الشعر، لا يمكن أن تهتم كثيراً بما حولها من التجارب والأصوات المتباينة والمتشظّية، إلا بما يمكن أن يُدعى رصداً أو تفكيكاً أو محاولةً للفهم والإستيعاب، ولذلك فإن ثمة أسماء شعرية بدأت في نشر تجربتها في سنّ متأخرة، ولكن لأن تلك الجذوة كانت مشتعلة فيها منذ البدء فقد ظهرت بشكل كبير ومدهش ومكتمل، ومن بين هذه الأسماء الشاعرة فاطمة ناعوت، لذلك فإنه ما دام الشعر يتحرّك في نفس الشاعر أو الشاعرة فلا بد أن يتّخذ له الشكل المناسب ليظهر ويبرز ويتكوّن، ولا بد أن يواجه التحديات التي تعيقه سواء كانت هذه التحديات مع نفسه أو مع الآخر.
وحين نركّز نظرنا للبحرين سنجد أنه برغم أننا في مجتمع ضيّق، سواءً على مستوى المساحة أو على مستوى التلقّي، ورغم ذلك فقد برز خلال الفترة السابقة كثير من الأسماء وصدر أيضاً عديد من المجموعات الشعرية.
لذلك فإني أؤمن بأن التجربة الشعرية الجديرة بالإستمرار قادرة على أن تحدّد خياراتها في القراءة وقادرة على تحسّس وعلى التعرّف والتفريق بين أدواتها الشعرية والإبداعية، وبين أدوات الشعراء الآخرين، وقادرة أيضاً على تجاوز الوقوف عند أدوات هؤلاء الشعراء، كل ذلك لا يعني أن الشاعر يخرج مكتملاً، فمن الممكن أن تتقاطع تجربة الشاعر المبتدئ مع شعراء آخرين سواء من خلال المفردة أو الجملة أو المعنى أو التركيب، أو غيرها..
غير أنه على الشاعر أيضاً أن يعيد التفاته للنص وللقصيدة مرات من أجل أن يتنبّه لهذا الذي تقاطع معه في اللا وعي، وهنا أودّ أن أذكر حادثة إذ إنه في إحدى المرّات وصلتني قصيدة عبر الإيميل لأحد الشعراء الكبار، وحين قرأتها صدمت بها، إذ إنها تتقاطع تماماً مع قصيدة لشاعر بحريني شاب، وبالنظر إلى التاريخ المذيّل في القصيدتين عرفتُ أن الشاعر الشاب قد أخذ المقطع الأول في قصيدة الشاعر، لم يهمّني وقتها إن كان هذا الشاعر الشاب قاصداً التعدّي على القصيدة أم لا، بل عناني أن أكونَ أكثر انتباهاً لقصيدتي، ولخلوّها من هذا »التناص التام« مع الآخر، حتى وإن جاء عن طريق اللا وعي.
وأذكر أني في بداياتي كنتُ متأثرة كثيراً بقراءاتي للشاعر قاسم حداد لذلك فقد دَخَلَ من قاموسه الشعري كثير من المفردات إلى تجربتي، من بينها مفردة »الذئب« واشتقاقاتها، وما أسميه الخروج بالوعي من هذا المأزق يتمثّل في إعادة وتكرار إعادة قراءة التجربة.
كذلك يجب أن يعي الشاعر ويستوعب وعيه الشعري، وذلك يتكوّن أساساً عبر القراءات المتأنية التي تحلّل وتفهم وتستنير.
وحين قررت أن أكتب مشروعي الشعري الجديد وحين فكرت فيه كان أول ما خطر على ذهني ساعتها أن أتوقف تماماً عن »قراءة الشعر، أو ما يتعلّق به« حتى لا تتداخل المفردات الشعرية لديّ، وحتى لا أتأثر بالتجارب الشعرية التي أقرأها، وقد كنت أتابع فقط ما ينشر في الجرائد أو الدوريات، وأترّصد أخبار الإصدارات الجديدة، غير أني لم أكن أتعمّق في هذه المتابعات، ثم حين انتهيت من مشروعي أكّدت على هذه التوّجه بأن لا أقرأ إلا بعد التنقيح التام للمجموعة، هنا أنا لا أقصد الانقطاع التام عن القراءة، بل أقصد أن يكون ثمة وعي لدى الشاعر عند بدئه لمشروع معيّن، وعي بأدواتهِ هو، وباشتراطاته هو، لذلك فإن التحدّي الأول لأي شاعر يتحسّس مشروعه الشعري هو أن يتحدّى ذاته، وأن يستوعبها ويفهمها.

لم يعد من مهام الشعر
أن يدافع عن سياسة ما

* هل يمكن أن نسمّي اقتناص اللغة في النص الشعري مكوّناً أساسياً من مكوّنات نصّك؟ ثم كيف تنظرين لقصور اللغة الآن »وسابقاً أيضاً« عن القبض على المعنى النادر، في ظل سطوة الصورة، وقصور اللغة عن اللحاق بها؟

- بالتأكيد اللغة مكوّن أساسي من مكونات النص لديّ، ولا أعتقد معك أن اللغة باتت قاصرة عن اللحاق بالصورة، فاللغة ما زالت محتفظة ببريقها وتميّزها، وقدرتها على تغيّير وتخييل الواقع، ففي الصورة لا تستطيع أن تضيف إلى المشهد ما ليسَ فيه، أنت فقط تستطيع أن تحذف منه ما هو فيه، بينما في اللغة أنت قادر على الحذف والإضافة والتغيير والتمويه، لذلك فإن اللغة تعطي معانٍ جديدة ومغايرة ومختلفة، في كل قراءة، وإعادة قراءة.
غير أني أتفّق معك في أن الصورة قد أزاحت عن كاهل اللغة شيئاً مما قد يعيقها عن تأدية مهامها الفعلية والحقيقية، فالشاعر سابقاً كان هو السياسي والشاعر والصحافي والإعلامي و.. و.. أجل الصورة أخذت جانباً من هذا العبء عن الشاعر، لتمكّنه من أن يلتفت إلى مهامه الفعلية.
لذلك فإنه كلما كان الشاعر مقتدراً كلما استطاعت اللغة معه أن تتوسّع وأن تنفتح، فالشاعر قادر على تكوين عبارات ومفردات جديدة ومدهشة، تُضاف إلى اللغة، وقد صارت العبارة الشعرية تحتمل أكثر من معنى، وبقدر ما كان الشعر أساساً للتغيير في الواقع سابقاً فقد صار الشعر الآن أساساً للتغيير في اللغة.

* هل بات الشعر الآن »كشكل أدبي« مادة للتعبير عن الذات، أم مادة للتعبير عن الآخر، أم أنه فقد الآن كلا الدورين، وما عاد بإمكانه تجديد ذاته في ظل نظريات حديثة تنظر للشعر على أنه شكل »ضعيف.. وهستيري« وهلوسة غير مجدية للتعبير عن الذات؟

- لا تستطيع أن تجزم باستمرارية شكل ما أو جنس ما، ولكن هذا اللااستمرار لا يعني الإنقطاع والانتهاء بل هو أقرب لحالة الحراك والتغيّر، فالقصة تتخذ أشكالاً متعددة من القصة القصيرة للمطوّلة للقصيرة جداً للمكثفة، والفنون تتخذ أشكالاً أخرى متعددة ومتباينة، والرواية، وهكذا.. ولكن لا يمكننا أن نقول بعدم استمرارية هذا الشكل أو ذاك، وكل متبن لشكل ما أو جنس ما ينظّر له ويدافع عنه، ولكن في النهاية لا يمكن أن يلغي شكلاً ما الشكل الآخر، فلكل شكل أو جنس إبداعي آلياته وأدواته التي من خلالها يمكن أن نحدّد مدى تميّزه ومدى قدرته على خلق الإدهاش والإبتكار.
وربما في الشق الآخر من الإجابة على هذا السؤال، أستطيع القول إنه لكل من هذه الأجناس والأشكال الإبداعية، فترات معينة تغيّر فيها شكلها أو رسالتها أو أداءها أو مضمونها، أو خطابها، بل أو متلقيها، نظراً للعصر الذي تعيشه هذه الأشكال ومتطلّباته، ففي عصرٍ ما مثلاً، كان الشعر رسولاً للثقافي والسياسي والإثني، والديني، ثم تحوّل نظراً لتغيّر الظروف ليحدّد خياراته ويجدّدها، فبعد ظهور الصحافة مثلاً غيّر الشعر خياراته، ثم بعد ظهور الإذاعة جدّد الشعر في ذاته، ثم بعد ظهور التلفزيون، والإنترنت.. وهكذا.
الآن لم يعد من مهام الشعر أن يدافع عن سياسة ما، أو يصيغ قانوناً ما، صارَ الشعر محدداً أكثر، وملتفتاً لذاتِه أكثر، وصار يهتم أكثر بأن يقدّم المتعة اللغوية والتخييلية والإبهار والإبتكار اللغوي والإبداعي.

أسرة الأدباء والكتّاب ليست
فكراً واحداً لأنها ليست شخصاً واحدا

* كيف تقيّمين علاقتك بالمؤسسات الثقافية الأهلية، وكيف تقيّمين الدور الذي تلعبه هذه المؤسسات في خلق وتهيئة مناخ فكري قادر على تجديد ذاته، وتكوين رؤاه المختلفة والمغايرة؟

- حينما أصدرت مجموعتي الشعرية الأولى »غائب ولكن« في إصدار مشترك مع الشاعرة منى الصفّار، كنت في الثانوية العامة وقتها، وقد كنتُ أنظر لأسرة الأدباء والكتاب البحرينية كهالة كبيرة ومؤسسة ذات سمعة ومكانة عظيمة، ويتحرّج الشاعر أن يربط اسمه باسمها، أو ينضمّ إليها، على اعتبار مكانتها الكبيرة كمؤسسة تضمّ النخبة المثقفة، وحين صدرت هذه المجموعة اتصل بي -وبمنى الصفار أيضاً- الشاعر أحمد العجمي وكان وقتها رئيساً للأسرة، وبارك لنا صدور المجموعة وطلب منا الإنضمام إلى الأسرة، وحضور فعالياتها، ووقتها رحبنا بالحضور، ورفضنا العضوية وقتها ومن خلال تفكيرنا ونظرتنا آنذاك، خوفاً على تجربتينا من النقد اللاذع من قبل هذه »النخبة المثقفة« وخوفاً من أن تتعرقل التجربة، ولكننا أيضاً لم نحضر فعاليات الأسرة، رغم فرحنا بهذه المكالمة.
ولكن وعندما صرتُ في الجامعة، كانت الأسرة تعقد لقاء الأربعاء للشباب، فذهبت مع أربع صديقات لي، واستمرّ حضورنا للقاء، حتى إننا كنا وقتها نكذب على أهلِنا كي نذهب للأسرة، وقليلاً قليلاً كان، ثم انكساران يحدثان لي، أولهما مع أسرتي حيث بدأت أجاهر بذهابي للأسرة رغم معارضة عائلتي لذلك، وثانيهما مع تلك الهالة الكبيرة التي كانت في تصوّري لأسرة الأدباء والكتاب، إذ بدأت أتعرّف على أن هذه المؤسسة ليست سوى أشخاص أستطيع التعرّف بهم والتعامل معهم، وأنها كمؤسسة راغبة في احتضان التجارب لا في كسرِها وتمزيقِها.
ثم استمرّ حضوري للأسرة رغم أن والد إحدى صديقاتي قد حضر للأسرة ثم منع ابنته من حضور الأسرة، وكان مرجع ذلك تلك الصورة المشوّهة والمغلوطة التي يحملها المجتمع المحافظ للأسرة، وربطه الغريب بين تاريخ الأسرة السياسي واليساري، وبين ما تخيّله هذا المجتمع من الإنحلال الأخلاقي فيها، ولكن كل ذلك لم يمنعني من أن أكتشف الأمر بنفسي، ومن خلال ذلك اكتشفت أن أسرة الأدباء والكتّاب ليست فكراً واحداً لأنها ليست شخصاً واحداً، فثمة اليساري واليميني والإسلامي والليبرالي، من الكتّاب أعضاء أسرة الأدباء والكتاب، وكذلك ومثل أي مجتمع آخر، ثمة الخيّر وضعيف النفس، كما في أي مجتمع آخر.. كالجامعة والعمل والقرية والحي والمدينة.
من جانب آخر كان لحجابي دور في أن أتحرّج من الإختلاط بمجتمع الأسرة، نتيجة لذلك المتخيّل الذي حملني إياه المجتمع من أن أعضاء الأسرة متحررين، كل ذلك جعلني أتساءل في نفسي، هل يمكنني أن أستمرّ؟ هل أبتعد؟ ثم بعدها كسرت حاجز الخوف من كل ذلك وقررت أن أعمّق علاقتي بالأسرة، فدخلتها كزائرة، ثم كعضوة، ثم كإدارية.
وبعدها بدأت قناعاتي بالأشياء تتغيّر، وبدأت حتى مرجعيات قناعاتي تتغيّر فصرت لا أثق بما أسمعه فحسب، بل أبني على ما أراه وما أعايشه، وربما هكذا نمط من التفكير هو ما دعاني إلى أن أفتح لنفسي باب حضور الملتقى الثقافي الأهلي، وهو الذي كان يُقال عنه إنه مؤسسة حكومية أقيمت لتناهض عمل الأسرة، غير أني رفضت هذا الحكم، وقررت أن أكتشف بنفسي من خلال الحضور والمتابعة.
وقتها كنتُ أرى أن المبدع لن يكون مميّزاً إلا إن كان تحت مظلة مؤسسة مثل الأسرة أو الملتقى، ترعاه وتقدّم تجربته وتنقدها وتتبناها، ثم في فترة لاحقة بدأت أفكّك هذه الفكرة، وأتساءل ما إذا كان ذلك صحيحاً، وخلصت إلى فكرة متطرّفة، من أن المبدع ليس عليه أن ينضمّ إلى مثل هذه المؤسسات، وهذه الفكرة أيضاً ناقشتُها مع ذاتي، وخلصت إلى نتائج معينّة منها أن الشاعر أو المبدع يحتاج إلى المؤسسة التي ترعى تجربته، ولكنه بشكل أكبر يحتاج إلى علاقات إنسانية حميمة مع المثقفين، تجعلهم لا يتحرّجون من توجيه النقد اللازم من أجل تطوير التجربة، وبعيداً عن المجاملات.
والواقع أني حين أنظر للأمر أرى أن أكثر شخص قيّم تجربتي وقوّمها ونقدها بشكل حقيقي كان الروائي فريد رمضان، وليس خلال حضوري في أسرة الأدباء بل كان خلال عملي معه، حيث إنني بعد أن اطلّع فريد رمضان على تجربتي وقدّم لي ملاحظاته عليها، بدأت أعيد نظري في المشروع الذي كنتُ أشتغل عليه، ورغم أنه كان جاهزاً ومعدًّا للطباعة إلا أنني مزقّت هذا المشروع تماماً من أجل أن أخرج عليه.
ولقد كان أمراً مؤلماً بالنسبة لي، رغم أنها خطوة كان لا بد لي من أن أخطوها، فإن تمزّق تجربة ما فإن ذلك يعني أنك قادر على أن تتجاوزها، وقد كان هذا هو التحدّي الذي وضعت نفسي أمامه.
لذلك فأنا أرى أن المؤسسة لا تكتمل فاعليتها إن لم توفّر جواً خالٍ من المجاملات، وقائم على أساس النقد الحقيقي والراغب في تطوير التجربة.

فلتتعلم المرأة كيف تقول »لا« لنفسِها

* كيف يمكن للشاعر في البحرين أن يمايز بين التناول النقدي والتناول الصحفي للتجربة؟

- ثمة مشكلة لدينا في البحرين تتمثّل في أن معظم ما يكتب في الصحافة لا يعدو أن يكون تناولاً صحافياً، وأن معظم التناول الشفاهي للتجارب لا يعدو أن يكون مجاملات، وكل ذلك لا يرتقي أبداً إلى أن يكون نقداً، أولاً لأن عدد النقاد البحرينيين قليل، وثانياً لأن أغلب التجارب النقدية اتجهت باتجاهات مختلفة، ففهد حسين اتجه لنقد العمل الروائي، و د. نادر كاظم اتجه للنقد الثقافي، ومحمد البنكي لم يعد يكتب نقداً، وجعفر حسن ما زال يحاول هنا وهناك، ثم إن جئت لمن يكتب نقداً أدبياً سترى أنه يكتب عن تجارب من خارج البحرين، وإن أراد أن يتجه للداخل فسيختار الأسماء الكبيرة واللامعة، وبذلك فإن التجارب الشبابية يتم تجاهلها.
بعض التجارب الشبابية تتعلّق بعروض الكتب والقراءات على أنها نقداً، وهذه مشكلة أخرى، فقد يعتقد الشاعر أنه بلغ مرحلة متقدّمة عندما يجد أن الصحفي »أ« أو »ب« قد كتب عنه، دون أن يلتفت إلى أن ما كُتب عنه ليس سوى عرضاً أو قراءة تأويلية، لا يمكن أن تعدّ نقداً أدبياً.

* كيف تنظرين للتجارب النسوية الشابة في البحرين، وما هي العوائق التي تعوق تكوّن مشهد نسوي مؤثر، في ظل مجتمع »ضدّ المرأة الشاعرة«؟

- سأقول شيئاً وليعتبره الجميع تحريضاً، إذا أرادت المرأة أن تكون شيئاً في مجتمعٍ كالذي يحيط بنا فعليها أن تقول »لا«، فلتقلها في وجه أبيها، أمها، أخيها، زوجِها، كل هذا المجتمع، وأولاً فلتقلها في وجه »نفسِها«.
أنظر للمشهد النسوي الأدبي الشبابي في البحرين، سترى أن ثمة كثير من التجارب التي تظهر ثم تختفي، هكذا فجأة، نتيجة لتلك السلطة الذكورية التي تحاول أن ترسم صورة مشوّهة عن المرأة الشاعرة، والمرأة بشكل عام، فممنوع على المرأة أن تخرج من بيتِها، وممنوع عليها أن تكتب، أو أن تجد نفسها.. في ظل مجتمع كهذا عليها هي أن تقول »لا« وأن تحاول أن تخوض غمار هذه التجربة، فتتعلم كيف تقول هذه الكلمة لذاتِها، أولا لكي لا تخضع للآخرين، وللمجتمع الذي يقيّدها، وللآخر أيضاً الذي ربما تواجهه في ظلّ هذه التجربة.
من خلال تجربتي أذكر أني كنت أمتلك دفتراً خاصاً للكتابة، وكان وجوده في يدي بحدّ ذاته دليلاً على هذه الـ»لا«، ورغم أن أسرتي أسرة تهتم بالجانب الأدبي فأخي الأكبر شاعر وأختي أيضاً شاعرة، وأخي الآخر مهتمّ بالإبداع، إلا أنهم كانوا يرون في هذا الدفتر رمزاً للخروج، وفي اعتقادهم عائقاً لي عن مواصلة التميّز في الدراسة، ولذلك رفضوه، وحاولوا أن يبعدوه عني، ولكني رفضت ذلك، وكتبت، وظللت أكتب أيضاً، أولاً باسم مستعار، ثم بالحروف الأولى ثم تالياً بالإسم الصريح والثلاثي.. »سوسن صالح دهنيم«، أجل تمرّدت من أجل أن أكون، وأجل أنا سعيدة بهذا التمرّد، وأنا أدعو إلى التمرّد إن كانت المرأة قادرة على أن تقول لا في الوقت المناسب، لأنه بسبب كل هذا الرفض في المجتمع للمرأة الشاعرة، وبدعاوى مختلفة فإن التجارب النسوية لا تنضج بالشكل المطلوب، لأن الكتابة فعل مرتبط أساساً بالنشر والنقد واحتمال الكتابة على الكتابة وإعادة الكتابة، أما الكتابة للذات التي تمارسها المرأة الشاعرة في مثل هذا المجتمع المحافظ، فإنها لا تستطيع أن تتجاوز ذاتها.
الشاعرة منى الصفار التي انقطعت عنها، والتي انقطعت هي الأخرى عن الكتابة »أو هكذا كنت أعتقد« عندما أعدت صلاتي بها وجدت أنها أنتجت مجموعتين ثانيتين، ولكنهما »في الدرج«. هذا هو سبب ركود الحركة النسوية الأدبية، وهذا هو سبب ركود التجارب الشعرية النسوية الخاصة.

"وكان عرشه على الماء" لـ سوسن دهنيم



ترتيب فضاء الذوات في برازخ من الهامش

الوسط – جعفر الجمري
في تقدمة النصوص وقراءتها لا يخلو الأمر من إرباك وغياب. إرباك بحكم أن النصوص في غالبها ذات مسحة ذاتية، والقليل منها ينحو منحى كونياً، وبين الذاتي والكوني يجد القارئ نفسه في مساحة الإرباك والغياب تلك؛ فيما الغياب يتحدَّد في حسمه وقدرته على الفصل بينهما. بين الذاتي والكوني، وخصوصاً إذا ما جاءت النصوص في مجملها الظاهر ذاتية؛ فيما الخاص ضمن مساحته الكونية يكاد يذوي ويغيب ويتلاشى.
بين الذاتي والكوني. بين الإرباك والغياب يمكن قراءة مجموعة الشاعرة البحرينية سوسن دهنيم. قراءة تتحرَّى الوقوف على منحيين لكل منهما خصوصيته الأكيدة؛ بل والفاقعة. خصوصية تستمد تفاصيلها من تأن وقدرة على خلق مثل ذلك الإرباك. الإرباك في تحديد معالم وتفاصيل وحدود الذاتي والكوني.
عنوان المجموعة "وكان عرشه على الماء" الصادرة عن وزراة الاعلام العام 2008، مدخل أول للوقوف على تلك الثنائية. ثنائية الكوني/الذاتي.
ما يلفت في المجموعة عبر مسح أولي للمفردة فيها استناداً إلى عنوانها، أن 82 مفردة جاءت متسقة مع عنوان المجموعة من حيث المعنى المباشر أو الدلالات التي تؤدي إليه.
يضعك عنوان المجموعة أمام توظيف ودلالة فارقتين، العرش من حيث هو الاعتلاء والسمو، والماء من حيث هو الآخر يأتي من علٍ وإن استقر في الأذهان مكانه ومصدره الأرض حيث الجغرافية والتكوين الأدنى والقريب.
تنحو المجموعة منحى ذهنياً لا يعصف بالقارئ. هو منحى يتشكل بأناة من دون افتعال مصدره القاموسي، ومن دون تقعير للمفردة. يأتي سلساً وفي تراتبية يمكن الوقوف عليها من دون عناء كبير. نصوص، وعلى رغم كثافة بنيتها في الكثير من محتوى المجموعة؛ إلا أن هندستها اللغوية انحازت في معظم النصوص إلى العفوي /الشعري، والعكس صحيح.
على أن ما يستحسن الوقوف عليه من دون أن يكون للشاعرة دهنيم أي سابق تصور أو قصد فيه، هو غلبة المفردات المتسقة مع عنون المجموعة، على ما يناقضها من مفردات:
عرشه/العرش/عرشك/شامخ/صروح/السحاب/غيمات/ماء/نهر/
البحر/نداه/مطر/كوكب/نيزك/الفضاء/السماء/مشكاة/الروح/الله/
الإله/ الأجنحة/نجمة/قمر/الفردوس/الجنة/روضة، وشكلت في مجموعها 82 مفردة بتكرارها؛ فيما شكلت المفردات المقابلة لها 22 مفردة بتكرارها:
الأرض/يتداعي/هبوط/سقوط/ينزل/انهارت/تهاوت/انحدر/تنحدر/
غاض/الطين.
يحيلنا ذلك إلى اشتغال سوسن دهنيم على المجموعة باعتبارها فضاء واحداً، على رغم أن النصوص في كليتها تم صوغها في أوقات متباعدة، وربما في ظل حالات نفسية وظروف موضوعية متناقضة ومتحولة؛ إلا أنها جاءت ضمن الرؤية المراد لها، اشتغالاً على رمزية الاعتلاء/الاستواء/الأرض/التداعي، وهي رمزية يمكن لأي واحد منا أن يقف عليها حاضرة فيه. لكل منا نجمته وانهياره. لكل منا علوُّه وسقوطه. لكل منا استواؤه وتداعيه.
نقرأ في نص "أول الماء":
أسمِّي أسماءه دماً ودمه يأساً،
قال للنار:
كوني ماءً، فنزل الدمع سيلاً
لم يعرف كيف يسمِّيه
فتحت لغته قواميس جسده:
من السحاب سح بقلبي قبل الفجر
من الينبوع نبع يضئ ضفائر المسافة
من الحجر انبجس حباً
من النهر فاض دماً...
تقفز دهنيم بمخيلتها "المائية" إلى الحدود القصوى من اقتناص النقيض. اقتناص التداعي/السقوط/الانهيار/التهاوي/الانحدار. اقتناص الطين في حدود/ وما قبل تشكله؛ لتحيله درساً آخر في العلوِّ. تدخله في ترميز اعتلاء واستواء. يجنح بمخيلتها في حدود عافيتها وطبيعتها؛ فتطلع علينا بـ :
سمِّ الكلام واجعل أسماءه غامضة...
ثمة توارٍ في الصورة. ثمة توارٍ في هذا الدفق اللغوي والتصويري. توارٍ يفصح عن عفوية بالغة. عفوية فيها الكثير من مكنون وصلابة اللغة، ونضج الصورة، واستواء المفردة. ثمة توغل مضنٍ في تلك العفوية. العفوية التي تتركك في مهب هذا الصنيع البرئ:
زبد البحر جسمي الذي بعثرته زرقة يديك
إلى أي بحر؟ إلى أي جسم؟ إلى أي بعثرة؟ إلى أي زرقة؟ إلى أي يدين تحيلنا في "ماء التطهير"؛ إذ الموانئ تحرث "الفرح" تطهِّر جحيماً. تطهِّر أكثر من جحيم قبلنا/بعدنا؟
تذهب بك إلى درس النار في "بعثرتها"... إلى "الأحداق" تذهب إلى المرايا المفتوحة على الأفق الضال... تذهب بك إلى الريح المشرعة على ما يُظن أنها أسرار:
أتذكر الماء يغزوه نيزك كئيب
يبعثر النار في أحداقه
تلتهب مراياه
تصفع ريحاً كلما انهارت دموعها
أوشكت أن تفشي الأسرار...
تحاول أن تمسك بما تبقى من صلابة أعضائك وذاكرتك... تمسك بما تظن أنه على شفا "علو" من قبضتك... لكنك لا تلبث تكتشف أن وراء هذا النص قدرة خلاَّقة. قدرة على وضعك في مهب سرابات تترى. سرابات أنت في الموغل من رصدها وتتبُّعها:
يا له، كيف يزهر والأحضان تمعدنت بالزيف؟
له سماء لم تغنه عن ألقه
أرض تتموَّج بها الأغنيات
في نص "قبلة من ماء"، تأخذك موسيقى الجسد/الينابيع. تأخذك موسيقى تيهك الاستثنائي. تيه البحث عن ينابيعك الضائعة، وعشقك المقموع أو المؤجل. لا فرق. تأخذك موسيقى زلزلة إلى ما تظن أنه أول بوابات العرافات اللائي سيأخذن بـ "الأحراز".
في المجموعة عروج دائم... توق دائم إلى الذهاب. الذهاب في مطاردة البحث عن الذات. الذات المثقلة والمتزنة بقلقها الدائم في الوقت نفسه. ثمة أكثر من ماء/نهر/ندى/مطر. أكثر من عاهل للحياة. عاهل يسبغ على تلك الذات نضارتها الدائمة، وبحثها الدائم في ذات العالم. في "ماء التطهير" نقرأ:
زبد البحر جسمي الذي بعثرته زرقة يديك
وجهي الذي طارده تبغك حين ينام بأشرعة
ميناء يحرث الفرح
تعال تطهَّر بي وارمِ سلاسل جحيمك
خلف الموج...
تذهب دهنيم بعفويتها الاستثنائية. باستعارات الحياة. استعارات اللغة... الشباك... المخاضات... التطهر الذي يظل في تواصل دائم... الأنهار في أطواقها. تذهب باحثة عما يعيد ترتيب فضاء الذوات في برازخ من الهامش. في بريات ملحها بات أفقاً صريحاً ومحضاً. ذوات لا تتهافت على انعتاقها بقدر ما تذهب في تشكيل جماعي لتهتف:
"الغرف ليس لي،
والنور مازال لك...
في نص "معركة من ماء" تحضر اللغة بعفويتها ترصد الحياة/الذات في غيابات مجهولها. ما لم يكن في الذروة منها. هو حبلها السري. صوتها في ظل حواجز وموانع الصوت. هيمنة "الصوت" في لجة "صمت". هيمنة "الصمت" في لجة "صراخ". نص حاد بحواف مسننة بحساسيته وقدرته الملفتة على الإيقاع والقبض على المنسي، والذي يُظن أنه في الطرف المهمل من الرصد والذاكرة. نص مشبع بالرؤية والرؤيا. رؤية مريدين وخطايا ونسيان وأجساد ومرافئ وملاجئ وجوعى وروائح وأغصان ميتة:
تترهبين عند مرفأ لا تطأه كعوب المريدين
زاهية ترتبين الأصداف نهراً
يشعل الندى على كفيك
وتنتفض من عينيك القبلات
حورية هائمة بالخطيئة تثمرين
مأخوذة بعطر يدركه المدى
يغتصبه النسيان...
الكتابة شأن الحياة. الحياة في الصميم والحيوي من ضرورتها. وحين يحدث ذلك يتحول النص إلى مشروع إنقاذ. إنقاذ من السخف وحصاره. إنقاذ من البلادات المستشرية. إنقاذ من غيبوبات بالجملة. الكتابة إعادة اعتبار للحياة، وإعادة اعتبار للصحو واليقظة. لا غيبوبة. لا غياب في النص؛ لذا تكون الذاكرة في العمق من ذلك التعاطي مع الحياة وشأنها. مع الحيوي والضروري فيها.
تذهب سوسن دهنيم متمسكة بهكذا مفهوم. بهكذا رؤية. تتلمس طريقها – أيضاً في عفوية بالغة – إلى النص من دون رتوش أو مساحيق أو ساحات/هوامش استعراض. نقرأ في نص "قبلة من ماء":
تمادى في ابتكار ذاكرة تتقن خطاياه
أرسى جسده في الينبوع
علَّه يشفى من العشق
مشى على الماء...
ثمة إلماعات حفلت بها المجموعة، عُدَّتْ نصوصاً بحد ذاتها بما حفلت به من تكثيف على أكثر من مستوى، والشواهد في هذا الصدد كثيرة، أذكر منها:
• قال للأرض في قلبه
لا تبرحي المكان...
ياله، كيف زهر والأحضان تمعدنت بالزنبق؟
كنت في الرحيل
كنت طعم الماء...
يزجونك في أورادهم
تأخذك عفة الماء...
ذات مطر،
ما زارنا اللهو ولا غنانا بكاء...
كانت ورودي بيضاء،
من أين جاءت بلون دمي؟

مجموعة "وكان عرشه على الماء" تقدم شاعرة تمتلك أدواتها بجدارة فائقة. شاعرة تذهب إلى النص متسلحة برؤية فذة وملفتة. سوسن دهنيم تظل واحدة من أهم الأصوات الشعرية في المملكة من دون التورط في تصنيفات الحق والمراحل!

الشاعرة سوسن دهنيم..


الغارقة في تشكيل التكوينات الميتافيزيقية مزاوجة المحاورة بين العقل الباطن وغموض الواقع
بقلم: سلمان الحايكي


لم أجد صعوبة تذكر في هضم كتابات الشاعرة الصاعدة سوسن دهنيم كونها من الجيل الحداثوي الذي يفجر الأشياء ويجمعها في لون واحد ويترك العنان لخيال القارئ كي يغوص في التفاصيل الصغيرة التي تُشكل غابات من الصور المتنامية تؤازر بعضها بعضاً وتسابق الزمن نحو تشكيل التكوينات الوجودية والسريالية.
قرأت لها في غضون مدة ثلاث مجموعات دفعة واحدة (غائب ولكن) صادر عام 1998 مشترك مع منى الصفار و(قبلة في مهب النسيان) عام 2002 وأخيرا (وكان عرشه على الماء) الصادر عام .2008
القراءات في مثل هذه الأنواع من الأشعار تجعلك تهيم مع الكاتب.. والشاعرة سوسن دهنيم ليست ككل من يكتب بناء على قراءتي لها لكنها متميزة في الكتابة التي تتراوح بين مخاطبة الروح ومحاورة العقل.. وعندها المخاطبة أشبه بمن يدفعك مجبراً إلى الصمت من دون أن تترك لك مجالا للحركة.. وفي المحاورة تتهم عقلك بالنبوغ والنبوءة والتوقع للإيقاعات الخفية التي تنطلق بهدوء وكأنها آلام إبر منعشة. وحين تجد نفسك أمام مخاطبة ومحاورة لا تملك من احساسك إلاّ الصمت والإبحار في اعماقها لاكتشاف الحقائق الوجودية والسريالية.





ما القصد من الحقائق الوجودية والسريالية وهل تقصد الشاعرة المزاوجة بين هاتين الفلسفتين في الإبداع الشعري أو الصور الشعرية، وما هو دور اللغة في التكوينات؟؟.
إن التحليل الوجودي للكون ليس كما هو الحال عند سارتر.. وعند الشاعرة سوسن دهنيم يختلف الوضع الرؤيوي.. فالوجود عند سارتر مجرد تكوينات خارجة عن نطاق الوعي الإنساني في حين الوجود عند الشاعرة فهم مترابط للمحسوسات التي تعيشها هي وتحاول أن تعكسها على الوجود بلمحات اللغة.
في اللغة لمحات وماديات ومحسوسات وفي الشعور الداخلي نماذج أقرب إلى الخيال.. وفي الشعر تجد نفسك أمام أشياء متناثرة إن تمكنت من جمعها ستضع نفسك في بؤرة الوجود المفترض والذي تعمل على صناعته الشاعرة داخل احاسيسها. إن التقنية اللغوية في الشعر لا تشترط اللوغرتيمات أو المصطلحات الشاذة والمتداخلة في الصور والتي أزعم بتسميتها مجازاً انفلات اللغة نحو هدف غير مرسوم في الخارج لكنه مرسوم في داخل الصانع أو الشاعر.
إن الشرط التقني اللغوي عند سوسن دهنيم هوانفلات التكوين فالشاعرة تجد نفسها محاطة بسياج الرغبة في التحرر اللغوي لكنها تصطدم بمكوناتها الذاتية الساكنة والتي قلّما تتخط السياج المفروض المصطنع من الشاعرة نفسها.
وهناك الصور السريالية التي تجوب نصوص سوسن دهنيم بارادتها أو العكس إذ لايمكن فصل الإرادة عن الرفض فهما يتنازعان مكاناً واحداً وسرعان ما يتفقان على احتلاله ويصبح بالنسبة للمتلقي صراعاً شاذاً، لكن على العكس من هذا المفهوم فإن الصراع هذا يولد الحمم الشعرية والبركانية في اللغة وتتشكل الصور المتنافرة والمترابطة وتعطي الجو العام للقصيدة آفاقاً وأجنحة تطير بذهن القارئ للخيال البعيد أو ما نسميه الفكرة الميتافيزيقية لما وراء الكون البشري العام والخاص.
البحث عن الصور الشعرية في التكوينات (غائب ولكن) تجيد الشاعرة سوسن دهنيم اجتذاب الفكر بالسحر اللغوي الذي يخدم الصورة الشعرية وهي تستخدم كل القواعد الشعرية المنصوص عليها في النص الفني.. وقلما تجد نصاً يخلو من التكوينات التي تجمعها في نسق متلاحم أحياناً أو مفكك في أحيان أخرى وعلينا أن نقرأ صورها في (غائب ولكن)
- تتشجر القلوب على حافة الذبول.
- فأنت البعيدة الوحيدة التي قادتني إلى قارعة الجنون.
- لو كان للمنامة رقصات الجنون
ولفجر المحرق أزهار عاشقة
لو كان لنا ذاك
لما انتحرت رغباتنا.
- فهنالك قوت شهي
ينتظر منا أن نجوع (اندريه جيد)
- حين يتكلم الصمت
تعلن الأرض الحداد.
- مطار الأرق (عنوان شاعري جميل) في الصفحة (43) ينم عن رؤية عميقة جداً بالمحسوسات المادية وتحويلها إلى كائنات جمالية.
- قصيدة (اعذريني) تعكس الموسيقى الهادئة التي ترتدي الإيقاع المنظم والمسموع عن كثب.
قبلة في مهب النسيان.. مقاربات أخرى
- أيها القارئ عذراً
إن تبنيت البكاء
أو غلا في القلب حزن
أو سرى في الروح داء
فبكائي أزلي
مثله كان الشقاء
أستميح العذر إني
قبل أن يقتلني الحزن
ويفنيني البلاء (ص 7).
ذلك نص متسارع ويضعك أمام موهبة لها ذائقة الموسيقى الصاخبة أو الهادئة سيان.. فالفعل الموسيقي يُكوّنُ التمحور الذاتي ويبعث على النشوء والارتقاء بالحواس ويساعد الشعر على تحدي المادة الجامدة وتحويلها إلى نشاط ذهني طبيعي.
- مشتاقة..
وذاك الضباب يغزو السرير
- انثري ربيعاً وبعثري..
نموذج من الطابع الفسيولوجي الغرائزي والغرائبي حين يسيطر العقل على مكوناته ولا ينفك يصارع ما يعتريه من صرعات تفاجئ الروح والعقل.
- النص (دقيقة حداد) ص 16/17 تعكس التطور الموضوعي الناضج لمفاهيم الشاعرة من خلال القبض على الصور المتماسكة وهذا ليس موضوعنا الحالي.
- ربما الليل يفضح البلاد.
- نحن الذين صادقنا الجراح
نسجنا الآه في اللغة
ومحونا الأبجدية.
- النص (قروح على تربة وطن):
- أتصفح الجراح ببطء
بين وريقات الشجر المر
على بقايا مولد في محرقة الجسد
أراه يضيع من بين عيني
وطن لا لون له.
تبدأ الشاعرة بالتكوينات الذاتية الشعرية لكنها تفقد زمام الأمور وتنساق نحو الألوان الباهتة التي لا تجد قاعدة التكوينات ساخنة وتمنح على التوالد الملحمي.
- متى الأرض تفضح موتاها
وتهدي الزنبقات شذا فردوسي
يُعيد للنوارس أحلامها
وللسنديان ظله.
- ولي رقصة الموت على موانئ كتفيك.
- تراوغ الأيائل الطريدة.
- وكم في الجفن من سراب
وفي الشفتين من وحشة
لكأنك تستجدين النص.
- وطن في عتمة الحواس يتجلى.
- وكم اشتهينا أن نكون له وطن.
- أُذبلت الورد في الدرب
ومحوت الأبجدية.
- صيف يبعثر صقيع القلق.
- وبالأعين كوكبة من ألم.
- أنا وطن لا ليل وراءه
ولا نهار يزيح ظلامه.
- أنا وأنت والعصفور
نتشاطر رغيف الدمع.
في التكوينات الخاصة بالعلاقة مع الوطن لا نجد العمق الديالكتيكي للشاعرة فهي تعوم على سطح القضايا الكثيرة التي اقتربت منها وأرى أن الثقافة الثورية والحس الميداني الوطني لا يزالان ينموان في وجدانها وهي تحاول تشكيلهما بالأنماط التي تقترب من أنماط الشاعر قاسم حداد وخطوط الروائي عبدالله خليفة وباستحياء تلج التكوينات الخاصة بهذه المسألة الحيوية الحادة.
تكوينات ميتافيزيقية
سنلاحظ من خلال المقارنة بين المجموعتين السابقتين وهذه المجموعة أن الفارق كبير بينهما وأجزم أن هذه المجموعة تشهد تطورات مذهلة في اصول التكوينات التي تميل إلى الميتافيزيقيا أكثر من ميلها إلى الرسم الواقعي أو الحراك الاجتماعي فالشعر كمفهوم فوق طاقة البشر يستحضر الكائنات غير المرئية البعيدة عن ملامسة الواقع والتي لانجدها تعيش بين ظهرانينا لكنها تستقي المفاهيم التكوينية المدهشة من الواقع لكن بوجوه مطلية بمساحيق مثيرة تجعلك تتخيل ماذا يحدث حولك وتثير التساؤل كيف للشاعرة أن تتعايش مع أوضاع ميتافيزيقية كهذه وأنى لها اكتشاف ماوراء الطبيعة وهذه أسئلة مشروعة في ظل فلسفتها الدقيقة الرامية إلى اكتشاف العمق البشري المختبئ في انسانها المجهول.
علينا أن نقرأ لنعرف الإجابة من صاحبة العمل بالذات:
- سال فيه شلال من دموع الإله.
- فجر زمزم شفتي والعق عذوبته فبينهما ينبوع بنت العصافير قربه اعشاشها.
- تعال، فالغرق ليس لي
والنور مازال لك.
- ويلبس الأنبياء ثوب الغرباء
يتعرون من الحكمة.
هذا مقطع غزير بالتكوينات الميتافيزيقية لما وراء الطبيعة فالشاعرة تصف شيئا بعيدا عن مشاهدتها له لكنها بغريزة التعمق في ما وراء الكون تقدم شيئاً ينهض بالحياة.
- فلا الحب يغرق الورد
ولا الورد يعرفك.
- يا ماءً يقطر من جبين الليل
كلما اشتعل الندى بين احضانه
أما زال الوصل مقترنا بسفائن تنوح
كلما هاج بها البحر؟
ظللنا نبحث عن قنديلك المبحوح
ذات مطر
ما زارنا اللهو ولا غنّانا البكاء.
وتواصل الشاعرة الحفر في بحر ماوراء الكون والطبيعة فتقول:
- وطن كان فيما مضى يتربع على عرش
من ماء
اغتيل وما بقيت إلاّ رئتاه.
مادة خصبة كهذه في الشعر تنقلك من مجاهل الواقع إلى أعماق السماوات من دون أن توقفها غرائز الخوف من الاقتراب من عالم مجهول يفترض أن يهيمن على مشاعرها لكنها تتجاوز المشاعر بفك الطلاسم الأبدية.
- راودتهم سبع غيمات عن امطارها.
- يغدر بقلبه كلما اغتاله النبض.
- أو كل هذه الأبجدية تتضرع إليك لاقتناصها
ولاتأتيني إلاّ عيناك؟.
- أيها الصاخب في صمته
أنت في المهب
تذروك الروح
وتلملمك الأمطار.
- كمن يحشر الورد
في قميص مطرز بالعناق.
ختاما..
لا يمكنك التوقف عند محطات الشاعرة وتكويناتها الميتافيزيقية مالم تذيب الروح والحواس في أعماقها المليئة بالمتناقضات الطبيعية وكلما تناقضت الوانها جاءتك بثوب، لها طعم الفصول الأربعة وغيوم الصيف المريرة.
إنها الشاعرة سوسن دهنيم ذلك الصوت الهادر بالتكوينات والذي يفتقد عنصر الكشف عن جريمة الكون البشري في المجتمعات الإنسانية الآيلة للعبث بمقدرات هذا الإنسان المجهول الباحث عن هوية البقاء.
القراءة في أعماق الشاعرة أفضل بكثير من القراءة الذهنية فوق الورق.. إنها تزاوج المحاورة بين العقل الباطن وغموض الواقع.

قراءة في وكان عرشه على الماء






سوسن دهنيم
في "وكان عرشه على الماء"


صابــر الحبــــاشة
ناقد وباحث من تونس



يقع الشعر الحديث في مآزق التأويل ويوقع قارئه في مآزق التحليل، حيث إنّ التأويل هو إيجاد معنى كلي للنص أمّا التحليل فهو إيجاد المعاني الجزئية التي تنتظم النص في مختلف فقراته وأجزائه. ومن هذه المآزق ما يمكن تفصيله في ترتيب الأفكار والمعاني وفق منطق ما. لا نعني أننا نُلزم الشاعر بمنطق مسبق خارج عن منطق داخلي يختاره الشاعر، ولكن نقصد أن يكون الشاعر وفيا بمنطق يُلزم به نفسه ويلتزم به.

وللكلمات مكرها. فمنها ما يُدير ظهره للشاعر بعد أن ألجأ نفسه إلى جلبها من سياقات بعيدة. من ذلك العناوين التي تسجن النص في بوتقة لا تجعله ينفكّ عنها ولا تنفكّ عنه.

فانطلاقا من العنوان يختار الشاعر أجواءه الشعرية وعوالمه التخييلية التي يريد أن ينمّيها طوال نصّه. ولكن ليس الأمر على هذه الشاكلة في كل التجارب. فقد يفشل الشاعر في تبويب نصه وترتيبه، بشكل يجعله يتجاوز التناقض بين المنطوق والمقصود.

ففي بداية القول الشعري يحتاج القائل إلى تعويد «عائلة الكلمات» التي يعتمدها في النص على الرضوخ لخارطة طريق فنية متكاملة الدلالات... ولا يعني هذا الإجراء الوقوع في الصنعة وغياب العفوية، أو أن تكون القصيدة مجعولة في «بنية» هندسية مضبوطة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا أن تُلغى الفوضى الإبداعية الخلاقة المقصودة أحيانا.

سؤال المعنى يبقى مطلا برأسه علينا من بين أسئلة كثيرة تطرحها نصوص شعر النثر... هل يجب أن نستغني عن «طمعنا» في الحصول على مُسكة من معنى، بعد أن كانت «المعاني مطروحة في الطريق» – كما يقول الجاحظ، وبعد أن كان «المعنى يسلمنا إلى معنى المعنى» – كما يرى الجرجاني؟

ها نحن إذن إزاء قانون إلغاء المعنى وكأنّ نظرية البيان يجب أن تلفظ أنفاسها، أو أن تلقي بجميع محتوياتها في النهر لتغتسل من حوبة المعنى.

هانحن إذن إزاء نصوص تدّعي الكونية بانغلاقها على صور غير معهودة واعتمادها منطقا غير مألوف.

قد تكون هذه المقدمة صالحة لكل قراءة في الشعر الحديث، هذا صحيح ولكن كيف يمكن تنزيلها على «دُوَيْوِين» (تصغير ديوان) سوسن دهنيم «وكان عرشه على الماء...» الصادر في طبعته الأولى سنة2008، في 131 صفحة، عن وزارة الإعلام بالبحرين؟

منذ المنطلق يجب أن أشير إلى أنّ العنوان المستمدّ من عبارة قرآنية، لا يمكن إلا أن يأسر القارئ، قبل أن ينتقل إلى المتن يجد المتقبل الكتابَ قد أُحسن إخراجه فنيا وجماليا، من حسن انتقاء للعنوان ومن لوحة على الغلاف معبّرة أنشأها المبدع متعدد المواهب فريد رمضان ومن إخراج فنّي اضطلع به حسين فخر. فضلا عن النصوص المصاحبة من قولة للنفري «غششتك إن دللتك على سواي» وإهداء «مريم دهنيم... ملاك تجسّد بشرا.. ألهذا تحبو إليك الكلمات؟»، فضلا عن تفريعات العناوين وما تتسم به من عذوبة وتواصل «في سيرة أصل الماء» و«في سيرة أصل العشق» و«سيرة العرش».

ولكن تبقى هذه الإجراءات الفنية والنصوص المصاحبة مجرد علامات توحي بأهمية المتن وبقيمة النصوص التي احتاجت الشاعرة لكي تدلّل على أهميتها بأن اتخذت هذه المقدمات والمكمّلات الفنية لتعبّر عنها. فهل كانت نصوص المتن مستحقّة لهذه المتعالقات النصية؟ أم إنّ المصاحِبات النصّية سبيل لتداريَ وهنا في المتن وهشاشة في قلب الديوان؟

يعسر أن نجيب بطريقة حدّية عن هذا السؤال الشائك، ونرى أنه من الأولى تحليل بعض النماذج من الديوان للوقوف على مدى تجاوب هذه النماذج مع روح الشعر.

إذا انطلقنا من النصّ الأول:

تكوين(1)

كان فيما مضى../ يجلس متكئا على عرشه، ذات حزن،/ يَشْرَق بوحدته دون وردةٍ/ تخضّب مساءاته بالعبق/ خلقها وانتظر الشوقَ يتأجّج في الخلايا،/ شقَّ من شريانه نهْرًا أسرته الأنوثة، خلدته عينان تتثاءبان في ولَه/ كان كـ«نرسيس»،/ شامخا بصمته/ يتداعى../ كلما ضنَّ عليه الليل بطيف../ ولا سبيل للشوق في خلايا آيته.(ص9و10)

تحليل النصّ

يتبيّن منذ السطر الثاني تجاوُب صريح بين عنوان الديوان وبين هذا النص الأول، من خلال ورود كلمة «عرشه» ويظهر تجاوب ضمني بين العنوان والنصّ الأول أيضا، من خلال ورود كلمة «نهر» في السطر السادس، ولا تخفى العلاقة بين هذه الكلمة وبين كلمة «الماء» الواردة في العنوان.

فالماء كلمة عامّة جدا وهي من أكثر الكلمات اشتراكا في الدلالة، فالماء موجود بغزارة في الواقع، في أشكال مختلفة، وكذلك هو موجود في الاستعمال اللغوي بطرائق عديدة. ولعلّ العلاقة بين الماء والنهر هي أقرب ما تكون إلى علاقة عامّ بخاصّ أو مطلق بمقيّد. ومن هنا تُبرز لغة الديوان، منذ النصّ الأول، رغبة جامحة في قصّ أجنحة التأويل البعيد عبر محاصرة الكلمات ذات الدلالات المتعددة، فالماء ينحصر في نهر، ولكنه نهر من نوع خاصّ جدّا.

إنه نهر مشتقّ من «شريان» فمن اتساع دلالة الماء إلى انحصار دلالة النهر ، نصل إلى انحسار دلالة الشريان، حيث يدلّ على الدم. فكأنّ الماء ينقلب دما، وتلك عملية انتقال في الخلق، وكأنّ القصيدة تحاكي عملية الخلق، عبر تحويلات دلالية وعمليات تضييق في الدلالة بين لفظة وأخرى:

الماء/ النهر/ شريان

وهو انتقال من الطبيعة إلى الإنسان، مع احترازنا من هذا التصنيف الكلاسيكي المستمدّ من الأنثروبولوجيا التقليدية، فالإنسان كان وما يزال من الطبيعة، ما هو بخارج عنها. ولكن جرى هذا التعبير الذي يقابل بين الطبيعة والثقافة مجرى تيسير الفهم. إنه انتقال من الطبيعة إلى الجسد، وتسمح الدلالات الحافة بتبيّن ضرب من «التشبيه» بالمعنى الكلاميّ للعبارة.

النصّ يقوم على محاولة تمثّل النصوص المقّدسة من حيث بنية النصّ ومن حيث استخدام الضمير واستعمال بعض المفردات المتعلقة بالخلق... فضلا عن عنوان النصّ (تكوين1) وكأنه السِّفر الأول وهو سِفْر التكوين في الكتاب المقدّس. وإذا أضفنا إلى ذلك تمثُّل العنوان لآية من القرآن، وجدنا هذا الهاجس التناصيّ في أوج اعتماله. فما دلالة ذلك؟

هل تريد الشاعرة أن تُعجز القارئ عبر تحدّيه بالنسج على منوال النصوص الدينية؟ هل تريد أن تكتب «إصحاحا» أو تضع «آية»؟ وما الغرض من ذلك؟ هل إجادة الشعر تقتضي هذا الإجراء؟

لعلّ المحاولة التي تريد دهنيم أن تصنعها تقوم على إبهار القارئ منذ الصفحات الأولى بجرأة على استلهام أجواء مقدسة، ليكون القارئ على بيّنة من كونه ليس أمام نصّ عاديّ مسالم ولا أمام تجربة مهادِنة، بل الأمر يتعلّق بمحاولة جدّية لا لمحاكاة النصوص المقدّسة أو لمعارضتها، ولكن لإدهاش القارئ وإقناعه بانتماء الشاعرة إلى طائفة الشعراء المتجرئين الذين لا يكتفون بمجاراة السائد، بل يقتحمون حمى نصوص أزلية وذات مكانة مخصوصة في وجدان المؤمنين. وهذه الجراءة تعني، بوجه من الوجوه، رغبة في الانغراس ضمن شعرية متمرّدة، لا تقتبس النصّ المقدَّس بل تأخذ منه جذوة وتنأى بعيدا، بحيث إنها تسعى نحو التفرّد عبر الانطلاق من مجال المشترك. فنقع في جدلية اتصال وانفصال، قوامها أخذ وردّ بين الكون والكائن.

الحديث بضمير الغائب يوحي بذات مهيبة قد لا يكون من العسير أن نفهم مقصد المتكلم/ الراوي أن يشير إلى الذات الإلهية. ولكن الإيحاءات الذكورية تبيّن أنّ الأمر معوّم غائم: هل هو رجل مُؤلـَّه أم إله مُؤنسَن؟

وما التشبيه بـ»نرسيس» إلا سبيل لتأكيد هذه المنزلة بين المنزلتين، حيث تعشق الذات ذاتها وتقع وفي حبّ خيالها في الماء.

الصور المتراكمة والمتناشزة توحي بفوضى لا يحكمها نظام، بل هي ركام وحشد من المشاهد المتداخلة كأنها صور استيهامية حلمية وفنتازية.

وهذا السلوك التخييلي القائم على تشظية الصور، يقوم على التناقضات:

شقّ من شريانه نهرا / أسَرته الأنوثة؛/ عينان تتثاءبان / في وله؛/ شامخا / يتداعى/ بين العنف واللين، وبين الملل والوله، وبين الشموخ والتداعي... إنه عالم من المفارقات والتناقضات العظيمة. ممّا يوحي بفقدان سيناريو طرازيّ جامع يحكم توليفة الألفاظ ويؤطّر دائرة المعاني.

الإيهام بالغموض وصناعة الالتباسات حتى يظنّ القارئ أنّ المرجع في نصّ العنوان هو نفسه المرجع في المتن. وهذا التماسّ المحفوف بسوء التأويل، مقصد من مقاصد الشعرية الحديثة. لتحقيق المفاجأة والإدهاش.

فضلا عمّا أشرنا إليه من تقنيات الجمع بين المتناقضات وتشظية الصور وخرق المنطق والوقوع في حالة الما بين...، واستعمال الضمير بطريقة توحي بنمط سرديّ أزليّ، فإنّ الإيحاءات التخييلية تعمد إلى شفافية كثيفة تغلف المجاز بالمجاز.

كيف يُوصف المرويّ عنه بالعجز والقدرة في آن: (يشرَق بوحدته) (ذات حزن)، من جهة، و(خلقها) من جهة أخرى؟ كيف يقدر على الخلق ثمّ يشعر بهذه المشاعر المنبئة عن العجز؟

إنه يترجح، عبر هذه التداعيات أن يكون الخالق بشريا، بمعنى أن الخلق مجاز للإنشاء الفني فهو مبدع، ولذلك جوّزت الشاعرة / الراوية / الواصفة تمثيله بنرسيس، وإلا فلا يستقيم تشبيه الخالق ببعض خلقه. ومن هنا يتبيّن اللعب على الكلمات فيصبح (عرشه) هو (شِعره)، وذو العرْش هو الشاعر، والوردة هي القصيدة التي يخلقها الشاعر (ينشئها) ثمّ يعشق نفسه التي قدرت على إنشائها، فيقع في نرجسية المبدع التي تؤكدها التحاليل النفسية، ووقوع المبدع في الحالة المرآوية أمر ليس بِدعا في حياة المبدعين.

الشاعرة البحرينية سوسن دهنيم :


أبجدية البوح تؤثث نص مختلف..

كتب : ميلود حميدة- الجزائر


لا تنفصل عند الشاعرة البحرينية سوسن دهنيم حركة الصورة و تقنية اللغة و التفاعل بينهما في كيمائية مستقلة تلك التي تخلق توازنات حديثة لنص شعري لا يتقلّد النمطية التي تجري على أعقاب التقليد ، و هذه خاصة الإبداع الحديث المتميز ، فمن خلال قراءتك لتجليات الكلمة وسط معاقل المعاني تباغتك الحركة الشعرية التي تستفز فضولك ، فترى اللجوء إلى استحضار المعاني المجردة لجوء خاصا ، ينفرد في كونه إحالات لأزمنة مختلفة داخل منظومة شعرية منثورة واحدة ، حيث تبني من خلال تلك التوابل اللغوية شروحا للمعنى و هو يحاول أن يظهر بشكل أكثر قربا بل و أكثر توغلا في التجسيد ، هذا المعنى الذي يرقى إليه النص عند الشاعرة سوسن دهنيم تقول في مقطع من قصيدتها ( بوحك يغريني بالموت ) :
يتوفاني الوجلُ
وأنا أنظِّفُ منفضةَ القلبِ مما علِقَ بها من أعقابِ بوحِك
الصمتُ مقبرةٌ من ذهبْ
فَلِمَ التورطُ بالكلامْ ؟
و من هنا نلجأ نحن أيضا إلى افتراضات عدة من خلال قراءة هادئة لنص هادئ و متزن يسحب من كل معنى معاني متعددة تولّد ما يسمى بالرؤية المجزئة لحركة المعنى ، بالإضافة إلى لغة تستقطب أجناساً شتى من التحولات كأنها تنفرد بمعجم خاص ، و لذلك تستفزنا في القراءة أكثر عندما تثبّت للوهلة الأولى نظرك في محاولة لاكتشافٍ ما ..
وأنا أقرأ ما تيسرَ من بوحِك..
تهطلُ عليَّ جسارةُ صوتِك كوطنٍ مسكونٍ بالنفي
فتتعكّزُ أذناي معلنتين انكسارَهما..
إن الحركة إذا ما دققنا القراءة هي التي تخلق ذلك التوازن و الاطمئنان في نص محترف يتقلّد منهج البحث عن الذات في فوضى الموضوع مع إدراج الموضوع في جسد الذات ، و حينما يهدأ فينا ذلك الصخب نتبع تموجات المعنى شيئا فشيئا نحو الأفق ليرسم لنا النص بدياتٍ جديدة كنا نبحث عنها و نهمس في جنح الليل همسات البوح التي تخترق الهدوء فتسبح في مساحاتها المتّسعة ..
تقول :
ألف، باء، تاء، ثاء .. ياء
أوكلُّ هذه الأبجديةُ تتضرعُ إليكَ لاقتناصِها،
ولا تأتيني إلا عينان؟
أبجدية البوح تحلّق في فضاءاتها ، فتحرّك اللغة قبل رشق المعنى ثم تغيّر المعنى إلى فصول اللغة المجسدة ، إن الشاعرة تؤثث الكلمات الرتيبة لتحيي النص ككائن يعيد ترتيب الحياة داخله ، الكلمات كلها تتضرع إلى الشاعر ليوجز المعنى و ليعيد ترتيب المكان كلما حل داخله ..
تقول :
بوحُكَ الصاخبُ، يطلِّقُ صوتَك،
لتقترفَ الصمتَ،
تكسرَ شفاهَك الفاغرةَ
وتهذي بالسكونْ..
يطلق البوح صوته الصامت في أجواءه ، فنجد كسر المرايا المعبئة به كانت نتيجةً لاختلال الكون الشعوري في دورته المستقرة ، و قد قلبت في كل جديد سياق النص لتحاول أن تخرج عن العادة و تبعثر بذلك خطط الحرب الشعرية متبعةً الطريق الحديث في إعادة بناء النص من جديد
و هذا ما يذكرني بالشاعرة المكسيكية لينا سيرون حين باحت :
-1-
أتمسّك بفترة هرمة
أصبح ماء راكعا للسماء
و ألمي يتطهّر في الانتظار..
-2-
أنا حزن عباد الشمس الليلي
يتلف ببطء
محاولا فك شفراتك..
و من فصول الشاعرة سوسن دهنيم نجد أنها في كل هذا لا تعيد الترتيب فحسب ، لأن الترتيب هو التيمة الأولى ، فهي أيضا تؤسس لنظرتها في الشعر فاعلية الرمز و رمز الفاعل في كل نص ، لتخلق بذلك كونها الخاص و فضاءها اللامرئي في حدود القراءة الواحدة و الفريدة .. النص لديها مهرجانُ حديث تجعل للمعنى فيه جنسا مختلفا لا يقلع عن كونه النص المختلف الذي يفرد الخصوصية التي يبحث عنها كل الشعراء ..

من دراسة بعنوان الأنثى ومرايا الشعر

كتبت: الدكتورة وجدان عبد الإله الصائغ


في مجموعة (غائب ولكن) للشاعرة سوسن دهنيم يخلق الخيال الشعري من عنونة المجموعة نصاً متاخماً يفضح توقاً في احتجاب الآخر (المذكر) (غائب) بل إننا نستشعر رغبة في الإمساك بمفاتيح تقرير مصير ذلك الآخر الغائب المحتجب طواعية لذلك استدعى العنوان أداة الاستدراك (لكن) لتعطف أفق انتظار القارئ صوب مباهج الغياب الذي تتيح للأنا الأنثوية ممارسة سلطاتها التشريعية، تأمل ما قالته الشاعرة في قصيدة (نظرية):
دائماً وأبداً
حين يتكلم الصمت
تعلن الأرض الحداد
ولما كانت (اللغة تاريخياً وواقعياً يتم التعامل معها على أنها مؤسسة ذكورية، وهي إحدى قلاع الرجل الحصينة) – على حد تعبير الناقد الدكتور عبدالله الغذامي – فإن الأنثى تقوم بنفي الآخر المذكر وتبعده عن عالمها كي تخلق لغتها الأنثوية الخاصة، لذلك فإن الصمت يأتي قرينا لاحتجابها القهري ولإقصائها الذي يحفر بعيداً في ليل التهميش النفسي والاجتماعي والأعراف الأخلاقية، ويكون كلام الصمت خرقاً فاضحاً للنسق الفحولي الذي تبارك القيم الجماعية اعتلاءه عرش الكلمة، لذا فإن النص يخلق متوازية إيحائية دانية الدلالة بين الفعلين (يتكلم / تعلن) وقد فضحت الأداة الزمنية (حين) هذا الاقتران الشرطي بين الفعلين كما أكد هذا التأويل استهلالة النص (دائماً وأبداً) لنكون في مواجهة أمكنة رحبة متربصة بخلجات الأنوثة ونبضات خافقها.

قبلة في مهب النسيان وبوح أنثوي ذاتي متألم




قراءة انطباعية أولى في بعض النصوص
كتب: حسين الجفال - الايام البحرينية وعدد من الصحف والمنتديات الالكترونية


حينما تقع عيناك على ديوان قبلة في مهب النسيان للشاعرة سوسن دهنيم يوشي بك الإهداء إلى دائرة الإرادة الذاتية المعبرة عن طبيعة هذا الصوغ الشعري... حيث يوهمك بالقدرة على تصيير الأشياء بغير ما تنتهي إليه من تداعيات... وهكذا يصبح الدمع عطرا والكلمات سوارا... فيكون الرسم له معنى آخر حينما تتجلى أمامه أنفاس العاشقين لقد حملتنا الشاعرة إلى عالم الحلم حيث الشوق والقصيد.

هذا العالم الذي استطاعت الشاعرة أن تنقلنا إليه، لم يكن إلا ماركة مسجلة لمادة تعكس مدى ثنائية الألم والبكاء في مفارقة تختلف تماما عما أوشت به في سطور إهدائها الأول... تفتح أبواب عوالمها الشعرية في نص " اعتذار"، فإذا بك تقفز إلى دهاليزها المتألمة في بوح ذاتي، وكأنه يستشعر - بما يسببه من بكائية- مدى الأثر الحزين الذي سوف يحدث شرخا في مشاعر الآخرين.. وهكذا يستجدي الاعتذار... الذي وشى بطبيعة هذا الحزن كما صرح عن فاصلته الزمنية اللا متناهية... وهكذا - وكما يقول محمد حلاق في مقالة عن ضرورة الشعر- رأينا الشاعرة تخرج إلينا بنموذج أنثوي بكاء... يعبر في دائرة بوح ذاتي حزين ومتألم.... هذا ما أوشى به نص "اعتذار" بداية وقبل الولوج إلى النصوص الأخرى.
يتواصل انسياب الدموع تباعا في نص " انثرني ربيعا وبعثرني" ، مع مفارقات عجيبة إذ يتساوق الدمع مع الخضرة والسهاد مع الأمسية.. السرير والخواء... النافذة والباب الموصد... الاشتياق والبحث عن النور... الجسد والمقصلة... العشق والعذاب... ترى من يكون هذا الآخر الذي استحق من هذا النموذج الأنثوي كل هذا العناء والتضحيات... وكأننا أمام الآخر المقدس في عشقنا ووولهنا وربيعنا وحزننا !!؟؟؟ أي آخر هذا الذي امتلك سر تضميد الجروح المميتة... لكننا في النهاية نصطدم بكل هذه المعاني الجميلة هاربة من شحوب عواطفنا فنحن لسنا سوى ممن ينتعلون الفرح ويفتعلون القرب وفي النهاية لا تصفق إلا الذئاب... ولا يحزن إلا القلب ... هذه حقائق أنثى تجل الزمان الذي يسكنه الآخر عوامل ذاتيه تشي بالغياب ... كي تنسف نفسها كأنثى في حضرة الآخر حتى وإن اشتاقت للموت في نبضات صدره ....!!!

نص "بعد نقطتين" يبرز لنا حسا أنثويا آخرا، يكتسحه الخوف في كل شئ ... حتى في حالة البوح عن الألم ... حيث تهرب منه الآهات في توجس مريب... روحا عارية من كل شئ كما تقول الشاعرة إلا من ألم لا نعرف له هوية ... هذا الحس الأنثوي الذي افتضحت بقايا أحلامه على البوح المتألم تكتسح حسه مفردات متغايرة ومتناثرة أيضا حيث تتجاور الخطيئة مع العذرية والفرح مع الانفصال ... تغيب إرادة العقل الصانع لقدره كي يحضر الفنجان والعراف ... مع توجس يخاف اللقاء في أي زمن ... يفضل الموت على رؤية واقع تنشده إرادة الحب ... وهكذا يختنق القمر وتغيب الشمس وينكسر الشمعدان ولا يكون اللقاء !!! مسار أنثوي استعذب البكائية الأزلية مرة أخرى، فارق إرادته وسيطرت عليها روح عارية.
بدأ من نصل " أعطني حرفي" ومرورا بـ " دقيقة حداد ، الأمير المضنى بالمحبة ، ونحن الذين" تتداخل الأصوات ( ذكر / أنثى) إذ ترى في نص " أعطني حرفي" تترجل الأصوات ، إذ ينبئك هذا الصوت الذكوري بمكانة الآخر الأنثوي في صياغة أشجانه الماضية وآهاته المستقبلية ... ولكنه يبقي على دائرة البوح الحزين بالنسبة للأنثى تلك المحبوبة الغائبة عنه والمنفصلة عنه زمانا ومكانا ... لا توجد إلا في ذاكرة الماضي يستلها في لحظة حزن بريئة... لكنه لا يظلمها ولا يحمل صاحبة سنابل الوجع عناء الافتراق هذا، لقد استحضرت الجانب الذكوري استحضارا خاليا من التحدي .. وأبرزته صنوا لهذا الحب متوجعا هو الآخر كما الأنثى موشية بقوة أخرى حلمتها عناء أنين الغربة ... قوة بمثابة الشوك المحيط بالحلم المزهر.. حلم يشتركان فيه معا ... لكنهما لا يقويان على تحقيقه أبدا... ولكن أي نوع من الأصوات هذا وهو يترجى أن ينتزع خريفه الأغاني المتكسرة على أنامل الأنثى .. وأي صوت يغرق في شفاه يرتجي منها حرفه الضائع منه في مهب الغربة والوجع ومرارة الفراق!!؟؟
أما في نص "دقيقة حداد" ، فهناك نفحات من الحروف تنقلك إلى أسوار الظلم.. تفقدك عذوبة الحياة ... تطاردك ذاكرة القيود والمعاصم المقيدة ... الحداد هذا شعار للحزن ... الذي يلي اغتيال الحلم .. يذكرك دائما بأضرحة المذبوحين .. حتى الساحل له طعم آخر ... فهو يحتضن أصدافا محزونة.. حزن يكتنف إنسان الجزيرة تنعكس تداعياته على كل شئ في الطبيعة والإنسان والأحلام والأعياد ... المجرم هنا واضح في هويته في مسخه وبعثرته لعوالم القبور إنه نعل السلطات دائما وأبدا. نص من هذا النوع يخرج من دائرة البوح الذاتي إلى دائرة الآخرين ... في هذا النص تحرر ذاتي من الذاتي نفسه ... ميل إلى انطباع آلام الآخرين على فحوى القصيد ... نعم للحداد صيغة جمعية وطقوس جمعية أدركتها هذه الحروف فأصبحت الشعلة تشق عبير الخليج ... المكان لم يعد مغيبا ولكنه مجهدا بملماته وأحزانه وبمقابره التي تغزوها الموءودات ...أسوة بمن رسموا الدمع على الجانب الذكوري الآخر.
في " الأمير المضنى بالمحبة" تتداخل الأصوات بفعل واع ، فالكل هنا يرتشف الألم والكل يزرع ورودا من العذاب ، والكل يظلل الحاضر بسخرية الماضي ... الماضي في هذا النص كان كئيبا وكان معتقا بالسهاد وكان موبوءا بالمراوغة ... الماضي لم يكن هنا يشكل هوية جمعية بل كانت بوتقة اختزنت كل لحظات الغبن كي تحين ساعة المكاشفة والبوح المرتجى من الجميع... الكل ينتظر صرخة المصير التي لا تأتي أبدا والأماني المتعطشة لأمير موصوف بالحسن .... إنه الركام المتسربل بالحسرة ... هؤلاء قوم محكومون بتقمص الشجن في ليال حالكة .... سخرية واضحة لمن رأى بأن البرق ينشر نوره المصقول بالتمني... والتمني هو رأس مال المفلسين كما يقول المثل. هكذا مات الأمير في دواخلنا، لم يعد جميلا ولم يعد قادرا على إحالة وردة الألم إلى جنة السعادة. وما زلنا في خضم البحث عمن يرسم الكلمات وطنا مسافرا في أوردتنا جميعا.

في " نحن الذين" ومن خلال توجع ذاتي وانفعال لا يشي بتحرر الإرادة ولا بانعتاقها ، يتضخم الشجن إلى ذروته في رومانسية عجيبة فلا نرى سوى المشانق ، والمقاصل ، وضحايا الكراسي ، ولعنة الآلهة ، والمآسي ، والشظايا ، والخداع ، والتباكي ، والغدر. هكذا نرى طبيعة هذه الشظايا المتناثرة على ذاكرتنا حتى غدت الضحكة غريبة علينا ففي حالة ظلامية الأمس المصطنع نخيط ثوب القنوط ونتجرع مرارة الخيانة والغدر .... فحينما يصادق الإنسان الجراح ليس له إلا الموت مؤلما ... إنه صوت صريح ودعوة أشد صراحة منه للموت المؤلم في ظل مساء يعج بالأنين.

هكذا نكون قد تعانقنا قليلا مع ذلك البوح الشجي من الشاعرة سوسن دهنيم ، حيث حملتنا معها في مهب الريح ... حاولنا قليلا أن نعيش جزءا من هذا الشجن الذاتي قبل أن يقتلنا الحزن ....فلها ألف تحية على هذا العطاء المتجدد حزنا ...المتجدد بكاء ...المتجدد دموعا ...عسى أن تصير دموعا إلى عطر فواح يعم به أجواءنا بدلا من القبلات الخريفية وأسر المرارة المضني.

طالبتان على طريق الإنجاز الشعري..

منى وسوسن والومضات التي تفتتح عالم الإبداع.



النشرة الإخبارية لجامعة البحرين / ص 58 / العدد 78
أغسطس 1999


لا تتنزل هذه الإطلالة عند الحدود التي تسمح لنا بإطلاق أحكام حول هذه التجربة المبكرة، ففرادة التجربة وجرأتها في اقتحام علم النشر في هذه السن المبكرة تدل على إصرار شبه مفقود في الوسط الثقافي، لذلك كان كتاب ( غائب ولكن.. لسوسن دهنيم، وعندما كنت صامتا.. لمنى الصفار ) بمثابة المفاجأة السارة المقدمة من طالبتين بجامعة البحرين، لازالتا في المرحلة الأولى من حياتهما الجامعية.
إن جرأة النشر لا بد من التعامل معها بآلية حذرة لأن التجربة لا زلات في بدايتها الندية الطرية، بالإضافة لوجود إلتماعات نلمحها تطل متهادية بين الفينة والأخرى في بناء الصورة، وفي حلاوة التركيب وفي تشخيص الحالة والتعبير عنها.
الديوان الذي نقدم له هذه القراءة تسيطر عليه بالكامل تلك النغمة التي تشي بالحزن والفقد بتنويعات مختلفة وبصخب إيقاعي متذبذب يأتي أحيانا بسيطا على كل المستويات التركيبية والبنيوية، وفي بعض المواضع تأخذ المسألة بعداً أكبر وأعقد بالضرورة. وفي كل الحالات نحن إزاء لوحة وضربات لونية لا تشكل بمجموعها عملاً مكتملا، بقدر ما تمثل فاتحة لدخول عوالم الشعر بهواجسه الكبيرة، وبمستلزماته المعقدة الكثيرة، وبصبر حتى تقوى المخيلة ويزداد القبض على اللغة لضمان الثراء.
وليس من باب المفارقة العلم أن دهنيم والصفار قد فازتا بمسابقة القصة القصيرة التي تشرف عليها وزارة التربية والتعليم وهي على مستوى المدارس الثانوية في العام الذي سبق التحاقهما بالجامعة، والمفاجأة الأخرى في هذا الكتاب الذي يأخذ شكل الشعر وسمته الابتعاد البين عن متطلبات السرد والوصف الخارجي والتدقيق فيه أحيانا على بعض التفاصيل للدخول مباشرة لإثبات ما يعتمل في الذات ووصف حالاتها أمام تشتت كبير تعاني منه بدءا من كلمات الإهداء وصولا إلى المحتوى نفسه وحالة السواد التي تغطي بالكامل تقريبا غلاف الكتاب بوجهيه، وصورة الكمان غير المكتملة التي تبث عذب الألحان لكنها في سياق الغلاف تحتل مساحة ولا تمنحنا أنغاما من ناحية دلالية. إن تعطل الآلة لا يعني على الإطلاق توقف الأنامل عن مداعبة الأحزان الهائلة التي تطفر من بين السطور تاركة مسحة لوعة لطيف مضى أو توارى في مكان بعيد غير منظور.
وليس في التجربة عموما ما يجعلنا نضع حدا فاصلا بثقة كبيرة، رغم وجوده فعلا بين أجواء وأحلام كل من دهنيم والصفار، وكل التفاصيل المفتقدة عند سوسن نجد خيوطها بارزة في كتابة منى، لكن للوهلة الأولى يبدو أن دهنيم قد كانت أكثر قدرة في وصف الحالة والتعبير عنها، أي حالة الغياب ذات التردد الكثيف وفي اقتناص الألفاظ المؤكدة للحالة الشعورية والموحية بمدى الخسارة وفداحة الألم في مناجاة الغائب، وإطلاق الألحان في توسل عودته.
وليس المقصود من ذلك وجود الفروقات الحاسمة، بقدر ما تأخذ العملية منحى الترجيح لومضات جميلة لا تتسربل بروح المباشرة التي تعطل آلية البحث بين السطور أو ما تخفيه.

براكين آتية..

قراءة في ديوان ( غائب ولكن ) لسوسن دهنيم

كتبت: فاطمة التيتون
جريدة الأيام/ الثقافة
26/12/1999


محاولة لإلقاء الضوء على كتاب شعر تحت عنوان ( غائب ولكن ) لسوسن دهنيم الذي كان إصدارا مشتركاً مع كتاب آخر ( عندما كنت صامتا ) لمنى الصفار. هذا الكتاب المشترك هو خطوة أولى للكاتبتين على طريق الشعر، والذي ينم عن نضج مبكر، حيث أصدرتاه وهما في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية عام 1998 م والذي أتمنى ألا تضيع هذه الخطوة الأولى وتتبعها خطوات أجمل.
سأتناول كتاب سوسن هو يحتوي على 17 قصيدة.

رائحة الغياب

نجد في الديوان أن الغياب يحول الحكاية إلى عدم، ويجعل الألم والحزن يقيمان في المكان والزمان. فكان الديوان يتكئ على مفردات الألم والخواء والموت، وهذه المعاني التي تولد النفس الشاعرة وترهق الفكر وتلح على البحث عن البدائل من فرح وارتواء وحياة، وفي البحث تبدأ القضية والصراع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون ويبدأ الشعر.

الألم

" نتمرغ ألما في واحات الأسى والحزن
وفي أروقة الشوق نصير أكفانا للحبيب الراحل
ونحن نتجرع أنفاس الدموع وتغض أعيننا بالوجع
والغائب لا يعود "
فغياب الحبيب جعل الشوق يتحول إلى أكفان، وأعطى الألم والدموع، جعل الأشياء تغص بأوجاعها والعين لا ترى إلا الألم وهي تنتظر أمل العودة الميئوس منه.
" وأنت وحيدة لا تمتلكين سوى أسمال الألم وأوشحة الندبة "
فهذا الغائب يتحول إلى إنسان ميت لا يستحق إلا الندب، وهذا الألم يتفاقم ليصل إلى أعلى درجاته ويتحول إلى جزء من النفس تعتاد عليه وتألفه ويحل محل الغائب وكأنه البديل الذي يأتي دائما يفي بوعده وتفرح النفس بعودته كما في هذا المقطع:
" أغرب ما عرفته الأرض، أجمل ما عرفه البشر
هو حزني، لقد كان مخلصا لي
فكلٌ يهجر وينسى إلا هو يهجر ويرجع بالوصال"

الخواء

" لم ؟ والوحشة عادت،
وردنا احترق.. قبلتنا تجمدت على الجدار
وسواد الوطن والحبيبة قد تبدد "
الشعور بالوحشة، وأن لا شيء يواسي هذه النفس المتوحدة يجعل الورد والوطن يحترقان ويتحولان لسواد، ولحظة لوصال تتجمد ويبقى الإلحاح في طلب الآخر المؤنس في طلب الفرح وتأتي صرخة الألم المرة، تقول:
" في هذه الليلة العجفاء، والوحدة المرة، تقتلني صرخة الذكرى وسراب عينيك "
هذا الخواء والوحشة اللذان يملآن المكان يصلان إلى الجسد الذي كأنه يفقد الحياة يجوع ويعطش وهو قريب من الماء والمأكل وبعيد في نفس الوقت، وفي النهاية يتحول الجسد الذي كأنه يفقد الحياة ويجوع ويعطش وهو قريب من الماء والمأكل وبعيد في نفس الوقت، وفي النهاية يتحول الجسد إلى جثة لكنها حية وتتنهد، كأنها تتألم حتى في الموت.
" أمام كل حديقة كان الجوع يناديهم
أمام كل ينبوع كانوا يتذكرون العطش.............
لم يكن سوى سكون مخيف
يخنق الأنفاس ويوقف القلوب
هنالك صوت، لكنه صوت جثة تتنهد"


الموت

" لم ؟ ووجهك الغائب في الروح بين التماثيل قد تكوكب موتا تحول ضباب "
وتأتي ثالثة الأثافي الموت، ولا يأتي الغائب الفرح الحياة الأمل، فالنفس لا تستطيع التنفس ولا تجد إلا الموت تلبي له النداء.
" حينها اعلم فقط أن الموت دعاني وأني لبيت النداء"
فالموت يلحق بالغائب وبالنفس المنتظرة التي تحاول أن تحيا في انتظارها وأن تميت الأمل برجوعه كي ينتهي الانتظار.
" تتأرجح بين العتمة البراقة والنور الداكن،
تموت وتقبر،
تتقهقر بين الموت اللذيذ والحياة الفانية،
تنتبه، تجد نفسها وحيدة على حافة المقبرة منسية "
هذا الموت الذي هو ضرورة للحياة، فعندما نتخلص من موتنا الذي يصاحبنا في الخطوة وفي الأشياء من حولنا، والذي يراقبنا أينما كنا ونراه حاضرا، عندما نتخلص منه أو نتغافل عنه نستطيع أن نحيا ونرى فرحة الأشياء فالذي لا يعرف الموت لا يعرف الحياة، وهذا الإلحاح على الموت هو إلحاح على الحياة.
" بل إن ساعة الفقد حانت،
لأبحث عنك طيفا تغزو مكانك المعهود
الذي لم يبق فيه سوى مواء الرحيل ".

كلمة أخيرة

جميع قصائد الديوان نثرية ما عدا قصيدتين من شعر التفعيلة ( تساؤل ) و ( اعذريني ) فقد أجادت الكاتبة في الأسلوبين برغم أن تكثيف الصورة، وقوة التراكيب وعمق المعنى كان أهم في القصائد النثرية والذي يدل على أن الخطوات القادمة تتجه نحو قصيدة النثر وهي التي لا تخلو من إيقاع التفعيلة.
في الديوان نجد القصائد تمتاز بلغة بسيطة صافية بعيدة عن التعقيد وفي نفس الوقت قوية ومعبرة.
ونجد عاطفة متأججة فياضة تكاد تغرق العالم ببراكينها التي ينتظرها.

تأملات أولية في ديواني غائب ولكن وعندما كنت صامتاً..

كتب: جعفر حسن
أخبار الخليج - الملحق الثقافي -14-4- 1999
في تجربة تتفرد بالجرأة التي تميزت بها كل من الشاعرتين (سوسن دهنيم ومنى الصفار) تم إصدار ديوان مشترك لهما حمل عنوانين مختلفين، (عندما كنت صامتا) لمنى الصفار، و(غائب ولكن) لسوسن دهنيم، وهي تجربة توسمت فيها الشاعرتان خطى شعراء البحرين، فلم تكن تجربة الديوان المشترك هي التجربة الأولى على الجزيرة وربما كان كتاب الشاعرين علي الشرقاوي وفتحية عجلان من أوائل التجارب التي أنتجت بشكل مشترك. كما كان للقاص البحريني أمين صالح وقاسم حداد تجربة مماثلة في إصدارهما المشترك " الجواشن "، على الرغم مما بين التجربتين من بعد يصدران عن فنين مختلفين القصة والشعر، على أن صدور تجربة مشتركة ليس مما يعيب الديوانين على الرغم من أنهما قد طبعا على جهتين مختلفتين من الكتاب وبشكل معاكس، إذ كنت تقرأ في أحدهما فأنت بلا شك ستنظر إلى الآخر على أنه مقلوب وقد توسط الكتاب صفحتان مستقلتان متشحتان بالسواد لما يمثله ذلك من فاصل بين الديوانين يكون بعد المسرد.
تتشكل تجربة منى الصفار في هذا الديوان على محاور عدة، تكاد فيها لا تتجاوز البدايات التي لا ينجو منها أي شاعر، وللبدايات هناتها ولها مراكزها التي تدور في فلكها، فمن حيث التشكيل الإيقاعي، فإن الديوان جاء متسما بذلك النوع الذي ينتمي إلى النص الأجد أو ما يمكن أن نطلق عليه قصيدة النثر، حيث تخلو قصائد الديوان من الإيقاع أو الشكل العمودي، ما عدا ملامح من القافية التي تظهر في قصيدة (تعويذة) حيث يشكل الروي الثنائي محورا في نهايات الأسطر الشعرية، بينما نجد بعض القلق في تراكيب الديوان مثل (مضت الأحباب) واستخدم الأساليب الخبرية التقريرية، التي تنحو منحى الخاطرة أكثر منها إلى الشعر (فالبشر الصم قد غزوا العالم)، على أن شيئا من المراجعة ربما يخرج قصيدة مثل (اختيار) بشكل أفضل بكل تأكيد، بينما لم تترك الشاعرة مجالا واسعا للصورة الفنية لتنمو من خلال فن القول الشعري وإنما تمركزت في عبارات فريدة.
عند سوسن دهنيم نجد أن اللغة الشعرية أكثر اكتمالا واتساعا، مع ملامح البدايات التي تظهر هنا وهناك والتي تتصارع بينها الفنية والرسالة المحمولة ويستعر الصراع بين الشكل الفني والمضمون في العبارة والتي إن تغلب فيها المضمون صارت تقريرية (الليل الأسود يبكي حائرا) ص 5 ، فالسواد من الحقل الدلالي لليل وكذلك الحيرة من البكاء ، لكنها تقترب من الشعر أكثر ويظهر في شعرها أصوات عديدة تشكل المرجعية الشعرية لديها، ونجد تألقات مميزة في مواضع عدة مثل (شهادة ، بالمقلوب ، لعبة الموت ، تساؤلات) اختار منها:
(رغبات..
لو كان سهل بقربنا
ونسيم الهجير يداعب سواقي الريف،
لو كان للمنامة رقصات الجنون
ولفجر المحرق أزهار عاشقة..
لو كان لنا ذاك
لما لانتحرت رغباتنا) كما تظهر في تجربتها تلك القافية التي تشكل نبرا لغويا يشي باكتشاف للغة في تشكله الأول ونموه، كما يظهر الإيقاع في القصيدة الأخيرة من الديوان واضحا كما في:
(وردة استلهم الأفراح منها
بغتة جئت ولا زلت بقلبي ساكنة
كنت أحلاما جميلة نجمها يأبى الأفول
اعذريني فأنا قصرت في وصفك
يا أحلى حبيبة)
وفي هذه الخلاصة المستعجلة لا يستطيع الناقد أن يصم الشاعر بالقصور منذ اللحظة التي ينطلق فيها أمام الجمهور، فحتى أسرع الأحصنة على الإطلاق، كان يكبو متعثرا في خطواته الأولى وإنما للناقد أن يسجل بعض الملامح التي تشكل مرتكزا ونقاط قوة يمكن للشاعر أن يطورها نحو الأفضل، ونحن ندعو الأختين إلى الكتابة إلى حلبة الرقص، ليتبوأ كل مقعده.