الثلاثاء، 30 ديسمبر 2008

من يوميات جسور – فضاءات النص السعودي

مشاهدات من الشارع المسقطي حيث سقطنا جميعا في الحب
ذهبت إلى هذا الملتقى المعنون بجسور- فضاءات النص السعودي وأنا لا أعرف من العشرين مشاركا إلا ثلاثة، التقيت بثمانية منهم في المطار لتبدأ رحلتنا معا، لم أشعر بالغربة معهم منذ اللحظة الأولى للقائنا عدا شادن التي بدت لي قبل أن أكلمها: المرأة التي ستفسد جمال هذه الرحلة، إضافة لعبد السلام الذي بدا ثقيلا نوعا ما بشماغه الحائلي، لكن سرعان ما تغيرت هذه النظرة عندما تبادلنا السلام لتنعكس في النهار الأول لنا في مسقط، إذ بدينا وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل جدا وليس منذ بضع ساعات فقط.
لم تكن ألفتنا مع بعضنا البعض تحجب نظراتنا للشارع والبيوت والسواحل المسقطية، إذ رتبنا جولة حول مدينة مسقط في نهارنا الأول، حيث لم تكن الفعاليات قد بدأت بعد، ذهبنا نحن التسعة الذين جئنا من البحرين: القاص فاضل عمران، الشاعر حسن السبع، الصحافية شادن الحايك، القاص عبد السلام الحميد، الشاعر محمد الفوز، المسرحي زكي الدبيس، المسرحي والتشكيلي والموسيقي محمد الحلال، الشاعر زكي الصدير وأنا سوسن دهنيم ضيفة الملتقى، عندما ألحننا أنا وشادن عليهم برغبتنا في أخذ جولة حول مسقط، فرافقنا رئيس جمعية الكتاب والأدباء الدكتور طالب المعمري الذي كان مرشدا سياحيا جميلا لم يمتنع عن الإجابة عن أي سؤال مما طرحنا، عدا السؤال المتعلق باهتمام الشارع العماني بالسحر والشعوذة!

شوارع تهتم بمظهرها



للشوارع رؤيا مختلفة في مسقط العربية، فهي تهتم باختيار مظهرها بما يتناسب مع محيطها الخارجي كما بعض مدنها، وإن دل هذا على شيء فهو يدل على حس القائمين عليها، فالشوارع تزدهي بنظافة قل نظيرها، وبأنظمة تكاد تنطق بسلاستها التي تجعل السائقين والمشاة يحترمونها ويطبقونها بأمان، تحتفي بجمال مظهرها وبتناغم الجبال والأشجار حولها حتى تنسى أنك تسير في شارع وتنسى ما معنى السرعة التي لا تحبذها في هذا المكان، تسير وأنت تمتع زوايا ناظريك بمظهر قلما تجده في دول خليجية تتقن ترويض الصحارى والمعمار ليحلا أكبر ضيفين قرب شوارعها، لكن الأمر هنا مختلفا فالأشجار والخضرة والبحر والجبال هم الأبطال في هذا المشهد، وإن أغفلنا صنع الله فإن صنع البشر مختلف هنا أيضا، فللشوارع أسماء اختارتها بعناية وتألق، فهذا هو شارع يدعى "شارع الثقافة" وإذ جئنا نحن – أعضاء الوفد – لنقيم فعالية ثقافية شدنا هذا الاسم الذي يندر جدا في بلداننا الخليجية، لم يكن هذا الشارع ببعيد عن شارع آخر زاد الدهشة لدينا عندما قرأناه: " شارع دوحة الأدب"، يا الله كم هي جميلة هذه الشوارع بأسماها التي عرفنا فيما بعد أنها تعدتها لتكون بأسماء فقهاء اللغة كشارع الخليل بن أحمد الفراهيدي مثلا!

منازل مهتمة بتوحيد ألوانها

للمنازل لونها المتوحد مع بعضها في بياضه الناصع الذي لا يشوبه لون آخر، وكأنها جاءت لتروي حكاية بياض القلب العماني، عدا بعض بيوت أخذت لونا قريبا من البياض عندما اصطبغت باللون " البيج " أو "السكري"، إذ تتناغم مع بعضها مكونة معزوفة لا مكان للنشاز بينها، هي بيوت تبعث الراحة البصرية لمشاهديها، وتنهل لهم اطمئنانا قلما يجدوه عندما يجوبون شوارع عربية، فهي لا تزال مهتمة بطابعها العربي القديم رغم حداثة بنائها، لا تزال تتألق بأسوارها المرتفعة وباحاتها التي تتصدر البيت، مهتمة بعروبتها التي لم تشبها لوثة "التغرب المعماري" إذ لا تزال البيوت لا تتجاوز الدورين في ارتفاعها، والعمارات لا تتجاوز الأربعة إلا فيما ندر، وإن اتجهنا لطرازها المعماري نجده عربيا حتى في العمارات المرتفعة – نسبة إلى البيوت – بخطوطها الهندسية البسيطة، ونهاياتها المزركشة بأحجار تخلق مربعات أو مثلثات اعتدنا على مشاهداتها في المدن التراثية العربية، بيوت وعمارات لم تتنازل بعد عن شرفاتها العربية التي تطل منها نوافذ أغلقتها شباك حديدية ذات نقوش عربية خلقت توازنا مع مظهرها الشامل، هذا ولم تتغيب المآذن أو القباب عن المشهد المعماري المسقطي، فهي لا تزال تحاول منافسة الجبال في علوها، لتجدها شامخة يسهل عليها أن تشرئب وسط مشهد أفسح لها المجال بالشموخ، تجد القباب في بعض المباني غير المساجد والمآتم كالنادي الثقافي مثلا والذي قضينا فيه أجمل الأوقات.

قلاع وحصون لا تلين


للقلاع وأبراج المراقبة مكان لا يستهان به في عمان، فهي دليل على ما كانت تتعرض له هذه الإمبراطورية الممتدة من هجمات وغزو من قبل الطامعين على مر العصور القديمة، ولأننا في مسقط لا بد أن نذكر حصن مطرح العتيد الشامخ فوق التل المطل على الساحل الذي كان يوما ميناء يصل مطرح بغيرها من المدن والدول، حصن بني بإتقان محكم، ورمم في العام 1981 ليكون معلما سياحيا مهما لهذا المدينة الطاعنة في القدم، الطاعنة في الجمال.
لبرجيه الاسطوانيين الجانبيين مظهر يضفي عليه جمالا وهيبة وللنقوش التي حفرت على أسواره نكهة تدخلك عالما من الحروب التي ينتصر فيها الحق على الباطل وترجع الحق لذويه، على التل المقابل لهذا الحصن بنيت أبراج أخرى فصلها قصر العلم الذي يعود لأكثر من 200 عاما – بحسب كلام مرشدنا السياحي - لتجد نفسك وأنت في باحة هذا القصر محاطا بقلاع وحصون وأبراج مراقبة تعود إلى عصور بائدة تدخلك دهليز الزمن الغابر فترى أمامك الرجال وهم يحملون دروعهم وسيوفهم ونبالهم ونبلهم، تأخذك الحماسة لولا صوت فاضل الذي يرجعك إلى زمانك عنوة وهو يقول: " جبن" – وليس تشييز - من أجل أن نضحك ويلتقط صورة متحركة!
لم يكن هذين البنائين هما الوحيدين في مسقط، فبين كل عدد من الكيلومترات تجد برجا يطل من أعلى جبل شاهقا بتاريخه، معتدا ببطولاته في كشف الأعداء والذود عن سكان مدينته،هذا إضافة للكهوف الجبلية التي لم تختبئ عنا عندما فتشنا عنها، حقا هي مدينة تحتضن القلاع والأبراج والحصون بامتياز!

سواحل اشتعلت بالحب


السواحل في مسقط لا تتوانى في أسر أفئدة من يمر عليها، مررنا على العديد منها كشاطئ القرم، البستان ، الجصة ، وشاطئ قنب، وعندما مررنا على شارع الشاطئ أو كما يسميه العمانيون "شاطئ الحب"، بدا متناسقا مع اسمه جدا وتصالحا معه، ففي نهايته تجد ملمحا يبعث الأمل والفرح في النفس، إذ لا ترى غير زوج في كل بقعة، تجد رجلا وامرأة يقتسمان حصيرا وضعاه ربما لكي يأخذهما لبدايات علاقتهما ببعضهما، ففي هذا الجزء من الشاطئ يجلس كل زوج من كبار السن معا، فقد رأينا خمسة أزواج كل يجلس في مكان بعيد عن الآخر ربما كي لا يتلصص عليه أحد، لكنك تشاهد في بداية الساحل العديد من العائلات أو الأصحاب الذي جاءوا للاستمتاع بجماله وجمال نسائمه، مما أغرى بعض الصحبة في الحافلة بالنزول، دون أن يسمعهم أحد!
كان هذا الشاطئ رغم ما اعتراه من خراب إعصار غونو جميلا جدا غرر بأقدامنا كي تنزل على رماله الناعمة كما بدت لنا، لكننا لم نفعل.
وففي طريقنا إلى مطرح وجدنا السواحل ممتدة توصلنا إلى حيث نريد يقابلها "سور اللواتية" القديم بمبانيه الجميلة وبيوته التراثية.
إضافة لساحل الجصة الذي لم نكتف لا أنا ولا فاضل عمران بمشاهدته عن بعد فنزلنا لتتسخ أحذيتنا وبناطيلنا بأغبرته التي كانت كبودرة الأطفال كما قال فاضل، فأخذنا العديد من الصور التي التقطها الجمع بشكل عشوائي مباغت.

الشريش نبتة ضد المس

في طريقنا إلى الفندق وقف سائق الحافلة فجأة في المنحدر ومد يديه للخارج مشيرا إلى نبتة صغيرة جميلة، أوراقها تشبه الغار، قائلا: هذه هي "الشريش"، النبتة التي يزرعها العمانيون في مقدمات بيوتهم خوفا من الجان والحسد والمس!
ذهلنا جميعا خصوصا بعد أن تجاهل مرشدنا السياحي سؤالي حول الشعوذة والسحر في عمان وبدأنا نسأله أكثر حول هذه النبتة لينزل فاضل ويقطف أغصانا منها ويهديها لشادن التي طلبتها كي تنام!
وزعت على الجميع أغصانا منها وأوصتهم أن يلتفتوا لها جيدا فما كان من عيد السلام والمسرحيين زكي ومحمد إلا أن وضعوها على رؤوسهم كي تخيف "من لا يخاف" فأخذ فاضل – كعادته – صورة لهم أصريت على نشرها في صحيفة الوطن.

الرجل العماني أكثر اهتماما بزينته من أنثاه


شدني مظهر الرجل العماني المهتم جدا بزينته من خلال " المصر " وهي العمامة التي يلبسها العمانيون والتي عادة ما تكون مزخرفة بنقوش جميلة تتحكم في سعره وفخامته، يرتب ألوانه بشكل متقن كأنه صنع لأنثى في جماله، أو من خلال "القحفية" التي نسجت زخارفها بخيوط تختلف من واحدة لأخرى فمن الخيوط الذهبية إلى الخيوط الملونة العادية التي تغزل على قماشه في تناغم جميل يتناسب مع لون الخيوط التي تزين جيب الثوب العماني، إضافة للأحزمة المزركشة التي تلف خصورهم محتضنة خناجر تتميز عن بعضها بألوانها ونقوشها وخام معدنها.
هذا الاهتمام بالزينة جعلني أقارن بين ما هو باد من الرجل العماني والمرأة العمانية التي ترتدي في الغالب – في مدينة مسقط- العباءة السوداء، لأجد الآخرين يوافقنني الرأي عندما أفشيته لإحدى القاصات العمانيات.
كان يوما جميلا أعطانا أملا في أن هذا المهرجان سينجح بامتياز!


يوميات حافلة بالأنشطة والفرح

يوم السبت الموافق للرابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) من عام 2007 كان يوم وصول جزء من أعضاء الوفد السعودي ممن لم يحضروا معنا نحن التسعة في يوم الجمعة، فقد سقط في مسقط قلب كل من الشاعر حسين الجفال، والمسرحي عبدالله الجفال، والفنان التشكيلي زمان جاسم، والروائي يوسف المحيميد، والقاص جبير المليحان، والمصور الفوتوغرافي قاسم حكيم، إضافة إلى الشاعرة أشجان هندي التي جاءت من جدة مساء الجمعة حاملة معها كل حنان العالم رغم رغبتها في إخفائه.
كانت هذه المجموعة جميلة أيضاً، رغم انطباعاتي المبدئية الخاطئة عن بعض شخوصها: زمان ذكرني بالطاووس عندما رأيته للمرة الأولى إذ كان متعالياً عن الجمع من حوله؛ فعندما نزل في باحة الفندق حيث كنا نجلس جلس في زاوية أحد المقاعد دون أن ينطق بكلمة عدا بعض الكلمات التي تفوه بها لزميله العماني الذي لم أعرف من يكون، ودون أن يلقي التحية أو يتعرف على أحد، إلى أن فهمت بعدئذ تصرفه فقد كان كبقية المبدعين الحذرين عندما يريدون التعرف على "الجو" من حولهم. أما رؤيتي الأولى للمحيميد ذاك الروائي الذي كنت أتابعه بكل شغف فكانت مختلفة رغم ما كنت أعرفه عنه وعن طباعه الجميلة من خلال بعض الأصدقاء واللقاءات الإعلامية، ورغم هذا لم أتردد في الحذر - بداية - من جديته وصرامة مظهره التي تختفي عندما يبتسم متحولة لتلقائية وعفوية طفولية جميلة حتى أنني أردت أن أشاكسه في ندوته برسالة تحتوي: (ابتسم تبتسم لك الدنيا) لولا أنني خجلت!.
بعد الإفطار، ذهبت مجموعة منا إلى النادي الثقافي -حيث سيكون الافتتاح مساء- من أجل ترتيب بعض الأمور والتأكد من وضع الميكرفونات والمنصات، وشد لوحات زمان وعرضها في أماكنها المناسبة، وتغيير الجدول بسبب تغير موعد عيد الأضحى وتأخر البعض، وهناك بدأت أكتشف ذاك (الطاووس) الذي لملم ريشه وسألني عن مكان البعض، والشاعر زكي الصدير الذي علمني لعب البليارد التي ما كانت كذلك..!!.
من النادي ذهبنا إلى لقاء الشاعر سيف الرحبي بعد أن ألححت على الجفال برغبتي في إجراء حوار معه، وكم كان رائعاً هذا السيف الذي قطع كل أواصره وأواصر الشعراء من بعده مع التكبر أو التعالي على من حوله، استقبلنا بصدر رحب وتقبل دعوة الجفال له بحضور افتتاح الملتقى مساء، ولم أنس أنه أسماني قاتلة الشعراء بسبب لقائي الأخير مع الشاعر سركون بولص، ممازحاً ومعتذراً عن إجراء الحوار في البداية معللاً ذلك بكونه يريد أن يعيش!!.


مهرجان جاء ليكون جسراً للتواصل

لم يكن ملتقى جسور- فضاءات النص السعودي سوى عيد كما قال رئيس ملتقى الوعد الثقافي القاص والشاعر حسين الجفال – ذاك الذي كان متعباً حتى القلق من طلبات جميع الوفد - في حديثه لـ"الوطن": كل حالة أو حدث بين المثقف وأقرانه يعد عيداً لا يشابهه عيد، ما حدث في مسقط جعلنا نعيش العيد باكراً، من خلال الأصدقاء وعيونهم التي لا أخطئها، فقد كانت الأيام ناجحة بكل المقاييس التي أقيمها أنا بطريقتي الخاصة، ورغم ضغط واختصار أجندة الفعاليات إلا أن المنظمين (جمعية الكتاب العمانية) نجحوا في تفادي ما كان يعتريهم من خوف بالنسبة لتواجد الجمهور ونحن على أبواب العيد، الحضور النخبوي والمتلقي البسيط كانا حاضرين على الدوام، كما أن عودة بعض المثقفين العمانيين بالظهور في هذه الفعالية تحديداً أكد أن هنالك نص وفضاء مختلف".
أما عن أهداف هذا المهرجان فقال الجفال إنها حُددت مسبقاً مع جمعية الكتاب العمانيين، أولها خلق حالة حوار وتلاقح بين المثقف السعودي ونظيره العماني بأريحية وروح شفافة بعيداً عن الرسمياتن وهذا ما شهد به الجميع وحصل فعلاً في أروقة المقهى اليومي في ردهة الفندق التي كانت تعج بالحوارات الجادة على مدار الساعة تقريباً، كما حصل تبادل للمنجز الإبداعي بين الطرفين من تهادي للكتب والمطبوعات.
لقد كان الحلم الأكبر بالنسبة للقائمين على ملتقى الوعد الثقافي هو التطلع لأن يخلقوا بين المثقفين فضاءً ثقافياً منفتحاً على كل الأجناس يسكنه البياض والروح الخلاقة، وهم يعرفون تماماً أنه عالم مثالي قد لايرومونه لكن حسبهم أنه حلم وهذا ما يجعله جميلاً بالنسبة لهم، يتطلعون إلى أن يصافحوا المثقفين والأصدقاء كلٌ في بلده وأن يأخذون معهم رفقة الكون أصدقاء النص الجميل والخلاق ليقولوا: ها نحن اقرؤونا ودعونا نقرأكم بشفافية.


افتتاح تلفه الآمال، تحتضنه القلوب
مساء السبت الموافق للرابع عشر من ديسمبر كان افتتاح هذا الجسر، بحضور رئيس الملحقية الثقافية السعودية بمسقط، وعدد كبير من الحضور العماني ممن جاء ماداً يديه جسراً آخر للتبادل الثقافي والإبداعي، مهرجان بدأ بافتتاح معرض الفنان التشكيلي زمان جاسم الذي شرع ألوانه لتكون رسوله للقلوب التي رأتها قبل أعين أصحابها، معرض ضم تجربتين من تجاربه، الأولى كان للشخوص المموهة مكانها الأثير والثانية استوحى فكرتها من هناك.. من الأماكن المقدسة حيث كان قبل عام من تنفيذها من الحج، ضمت الألوان التي رآها في تلك التظاهرة الدينية: الأبيض، البني، والأسود، في تمازج
وخطوط رائعة سلبت أنظار الكثير من الحضور وانتباههم.

شاعرة بلون المطر

بعدها بدأت الأمسية الشعرية التي سبقتها كلمة الجمعية العمانية للأدباء والكتاب ثم تلتها كلمة ملتقى الوعد الثقافي، لتبدأ القراءات الشعرية مع الصوت النسائي أشجان هندي التي احتضنت الأحرف ونثرتها على الحضور في قراءة متأنية وشت بأحلامها وشجونها، قرأت (بحلم رائحة المطر)، فكانت أحرفها (مطراً بنكهة الليمون)، أخذنا منها هذا المقطع:
"السماء تنصب غيماتها لاختلافاتهن
والأرض كف من الخصب / مدت إلى جدبهن
لكنهن يقمن عطاشى على تاء تأنيثهن
يبكين ماء السماء
والماء تحت أقدامهن / يلملم حباته ويتمتم:
قل للبريئات من دم يوسف:
لوني أحمر
والذئب مبيضة عينيه
يقلب كفيه من مكرهن".

شاعر يتعثر بقلبه

ليأخذ الشاعر حسن السبع مكانه من القراءة، هذا الشاعر الذي دائماً ما يسبقه صمته إلى المكان الذي يحل به، لتعرف أنه يخبئ خلفه كائناً لا يقوى لا على الحب حتى يتعثر بقلبه خالقا قصيدة جديدة لجمال قلبه فيها المكان الأكبر.
كان لنصوصه (زيتها وسهر القناديل)، تحلق في (حديقة الزمن الآتي)، لتكون (بوصلة للحب والدهشة) تسمع بين الفينة والأخرى ما يشبه (ركلات ترجيحية) تصيب هدفها/ دهشتنا بكل سلاسة، هذا مقطع مما قال:
"هذه الشرفة تغدو بعد حين
ومضة آفلة العينين .. أمسا
لن ترى بعد غياب الشمس
شمساً
أو غيوماً واعدة
نحن تلك الشرفة الحبلى
بفيض الوقت
والوقت – إذا غبنا – بقايا مائدة..!".

شاعر ينسيك زمانك


لم يكن الشاعر زكي الصدير سوى ذاك الشاب الذي جاء حاملاً معه جنياته الشعرية القادرة بامتياز أن "تلخبط" الجو وتنسيك زمانك، شاعر يحسن اللهو بالكلمات كما عقارب الوقت، يدخلك أرض حبلى بالاخضرار الذي يغذيه من نبضه آخذاً منه ألقه الشبابي ليتقمص دور طاعن في الألم محبكاً قصة مجموعة جديدة تكون ملحمة شعرية مختلفة، هنا جزء من سنده:
"دندنَ العودُ
فأرقصتُ نهاداً
كلّما
اهتزَّ اسـترابا
وحدَهُ أنتَ
وتنسيني تفاصيلُ الحكاياتِ ذنوبي
أضعُ الفانوسَ في الشارعِ
أرتاحُ مسافاتٍ من الضوءِ وألهو
علّها تحيي خرافاتي جنوبي
أضعُ الفانوسَ في الشارعِ
أنسى سننَ الكونِ وأغفو ركعتين".

يفوز دوماً باسمه رغم خساراته


لم يكن الشاعر محمد الفوز سوى شاعر جاء بقوافيه معلناً إعادة ليالي القرامطة، متحدياً بكاء النبيذ معتلياً منصة المحظور، كاسراً حواجز التابو، بصوته المسكر بالتحدي، وإلقائه المسكون بهاجس الخطابة، أشعل القاعة هنيهات لم تتسع لغير صوته، أخذنا منه تساؤلاته الغجرية هذا المقطع:
ما الحبُّ يا وجعَ البراءةِ في قيامةِ همسنا الغجري
آنَ له التعللُ بالغيابِ وبالسفرْ ؟!
ما "نحنُ" إلا "نحنُ" .........
أرَّقَنَا التلاشي يومَ كُنَّا حيلةَ الشمسِِ
بلا ظلِّ تُواري دمعها الأزليَّ في خدِّ المطرْ
هَرَبَ الشمالُ من اليمين
وعافنَا الأشباهُ
يا بختَ الجهاتِ البربريةِ
كلها صمتٌ ......
يُفلسِفُ ثرثراتِ الريحِ في كُلِّ ممرْ !!

وبهذا انتهت الأمسية الأولى التي أشاعت أصواتها في كل الممرات التي سكنتها مطبوعات جاء بها القائمون على ملتقى الوعد الثقافي: الجفال، الفوز وعمران، ليعرفوا المتلقي العماني بالكاتب السعودي.


الحلال، أمّ تجمع أطفالها من أجل الحكاية
لم تكن الليلة انتهت عند هذه الأمسية، إذ أننا – في ردهات الفندق- ذهبنا إلى الاستماع إلى أوتار عود الفنان محمد الحلال الذي أسكرنا حتى الثمالة بأغاني أم كلثوم، خالد الشيخ وعبدالحليم، ليلتحق بنا القادم في تلك الليلة يوسف المحيميد الذي بدا مجهداً من رحلته الطويلة.
كان الحلال بمثابة الأم التي تجمع أطفالها كل مساء لتحكي عليهم حكايات ما قبل النوم ولكنه لم يكن يريدنا أن ننام، بل كان يريدنا أن نطرب ونغني فرحاً بنجاح الليالي التي جئنا من أجل إقامتها، كان بمثابة أمّ صارمة لا تسمح لاثنين أن يتكلما أثناء أدائها مهمتها الجميلة، لكنني وعبدالسلام ثم وزكي كنا مشاغبين، فقرر أن يغير أماكننا!.


( هناك فعاليات عديدة لم أكتب عنها في هذا الملتقى، منها مسرحية الحلال والدبيس وعبد الله الجفال، أمسيتي الشعرية ، الامسية القصصية وغيرها)

هناك 4 تعليقات:

  1. مساءك ورود جورية
    اتمنى ان تنالي النجاح التي تستحقينة...

    لو لم تكن الحياة صعبة لما خرجنا من بطون امهاتنا نبكي

    اسبحي في بحور الشعر وابدعينا

    صديقتك اميرة

    ردحذف
  2. عزيزيتي أميرة ،،
    أسعدني مرورك ومطرك ،،
    شكرا لأنك هنا دائما كما في القلب

    ردحذف
  3. سوسنة الماء يا صديقتي الرقيقة
    اعرف الشاعر زكي الصدير الذي تحدثت عنه وقد التقيت به في امسية المتلقى الاهلي وسمعت شعره الجميل، وكانت معه امراة تغني ولكن صوتها خرب الامسية:)
    تصدقين وانا اقرا الذي كتبت تمنيت انني كنت معكم في عمان لان الشاعر والناقد والصحفي حسين الجفال صديق قريب لي عن طريق الايميل وكنت اتمنى ان اتعرف عليه اكثر
    موضوعك جميلف وايامكم هناك جميلة كما تراءى لنا
    تحياتي لك وللجماعة التي كانت معك
    اختك وجدان

    ردحذف
  4. شكرا سوسن ، كان لوجودك ومشاركتك جمال أيضا أضاف للملتقى ..
    تغطية مميزة لشاعرة وصحفية فذة.
    كثير تحايا

    حسين الجفال

    ردحذف