الاثنين، 31 أكتوبر 2011

قدرة الأوطان على تجاوز الإضافي والفائض


ترتجف روحك. ترتجف أوصالك حين لا يكون الوطن بخير. حين يكون معرَّضاً لانقسامه وتفتته.



يرتجف كل شيء فيك حين تصحو والناس شتى ليسوا على قلب واحد. كم تتمنى وتصلي كي ترى هذه الوطن - كما عهدناه - نقطة لقاء وجمع وتآلف ومحبة. لقاء على الخير كله، وجمع على قوته، وتآلف على تقدّمه وازدهاره، ومحبة نابعة من الروح له؛ كي يجتاز أزماته ومشكلاته.



لا شيء في الدنيا يعادل الأوطان، وهي في عافيتها وتآلفها وقدرتها ووعيها لتجاوز كل ما يقودها إلى المجهول.



لا حر ولا مواطن فيه شيء من الشرف يتمنى ذلك لوطنه. على العكس، يتمنى ويعمل على أن يرى وطنه في الصدارة وفي الذروة وفي المواقع والمواضع الرائدة التي تشرفه. ولا حر ولا مواطن فيه شيء من الشرف، يقبل الإساءة إلى وطنه. الإساءة إلى الأوطان، إساءة لكل ما يرتبط بها، وخصوصاً إذا كانت حريصة وفاعلة ومفعّلة للحقوق، ولا تنتظر منك إلا القيام بواجبك.



لا فجر لأي منا من دون وطن نلوذ به، ونعانق أول شمسه ووهجه وحرارته ورطوبته ومرحه وأزماته.



لا معنى لأي منا من دون معناه، ولا قيمة لأي منا من دون قيمته، ولا هيبة لأي منا من دون هيبته، ولا قامة لأي منا من دون قامته، ولا فرح لأي منا في حزنه، ونعلو على الحزن ونتجاوزه في فرحه.



لا إضافي بعده، حين يستحوذ على أرواحنا. لا إضافي بعد الأوطان. الإضافي إما أن يكون استدراكاً وإما أن يكون فائض حاجة. وللأوطان قدرتها على تجاوز الإضافي ولا فائض. الفائض بمعنى ما بعد الاكتفاء. لا أحد يكتفي بحب وطنه. الفائض يتجلى في قدرته على التعبير عن حبه لك بطرق شتى، وقدرتها على التعبير عن ذلك الحب بطرق شتى أيضاً.



من سعة الحال ألا يزايد أحد على أحد في حبه لوطنه، ومن صحة الأنفس والأرواح ألا يحرض أحد على أحد، ومن زكاة الأرواح وطهْرها ألا يجد أحد في حضور سواه تهديداً له، ومنبع قلق وتهديد يطارده ويتحسب له. كل الأوطان في الدنيا قامت وكبرت وازدهرت وتميزت وأنجزت بالتعدد الذي يضمها وتحترمه، وتقيم وزناً وقدْراً له، وعلى مسافة واحدة في التعامل معه. وكل الأوطان التي شذت عن ذلك كانت تكاليف مواقفها تلك أضعافاً مضاعفة، وتعيش بؤساً في الحضور، ولا نريد لأوطاننا أن تعرّج ولو فرجة على هكذا نماذج وأوضاع.



حب الأوطان من حب الله والقيم الفاضلة والعادلة، وحب الأوطان لأفرادها من حب الله والقيم الفاضلة ذاتها. معادلة لا تكلف موازنات وملاحق في الموازنات.



وطن كل منا محفل، ومحفل كل منا وطن. يأتي على صور وأشكال وشواهد متعددة، تأخذ بنا للوقوف على قيمته بمحافظته على قيمتنا، وتأخذ بنا للوقوف على طقسه اليومي لتقيس به طقسنا الخاص، وتأخذ بنا إلى خيارات حرصنا وخوفنا وذودنا عنه، وحتى احتجاجنا عليه حين يتركنا في مهب النسيان، نكتب، نتحدث، نتسامر بلغة القلب وبلغة الحرص وبلغة التطلع إلى أن نرى وطننا في صريح عافيته، وتجلي قدرته على تجاوز أزماته، وإمكاناته في إعادة الأزمنة الفارهة في جمالها وبساطتها وعفويتها وصدقها ولمًّا لكل شعث.



لا مستحيل بقدرة الأوطان وبشرها في أن تتجاوز كل صعوبات اللحظات والأوقات والأزمنة الدقيقة. يظل المستحيل كامناً في عدم استعداد أي منهما على التوجه بصدق ومسئولية نحو تجاوز ما ينغـِّص الوجود، ويسيء إلى الحياة، ولن تكون الحياة حياة، ولا الأوطان أوطاناً باستتباب الإساءات التي تتراكم من هنا وهناك.



فقط اتركوا كوَّة للشمس كي تضيء ما التبس وغمض عليكم. لا تدعوا مجالاً لهواة المنغصات والتفريق كي يقوموا بدورهم الذي انتظروه طويلاً. فقط اتركوا كوَّة للأمل كي يطل منها في ظل ما يشبه اليأس المستحكم والمهيمن على التفاصيل



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق